الأربعاء، 21 مايو 2014

متى تظهر "كفاية" الإخوان.. "تعالى وأنا أقولك"؟

"بداية"
دعنا نتفق في البداية أن التنظيمات تصيب وتخطئ. ونتفق أيضاً أن التنظيمات كلها فيها أجنحة وتفضيلات ومجموعات. كما أن التنظيمات بها قوانين وتشكيلات الوحيد القادر على إنفاذها وإحداث تغيير جذري فيها هم أبناء التنظيم أنفسهم، سواء قيادة أو مجموعات ضغط من القاعدة. ونتفق أن الظروف الضاغطة قد تدفع لتغيير في بنية أفكار وجسم التنظيم. وإن كان لا يتم ذلك إلا من خلال موافقة أعضاء وقيادات التنظيم مرغمين أو برضا نفس وقناعة.

إذن اتفقنا على أرضية الحديث.. نبدأ؟. والأ أقولك حتى وإن لم نتفق سر معي في طريق ما سأكتبه. ربما ستكتشف شيئا مغايرا عن "الإخوان".

"1"

 الإخوان كأي تنظيم مروا بمراحل متنوعة. ولكن الأكيد أن هناك تكرارا لهذه المراحل استخدم فيها الإخوان نفس الإجراءات وحصلوا على نفس النتائج. وربما كانت فترة التأسيس التي بدأها الإمام حسن البنا من بداية النصف الثاني من العقد الثاني من القرن الماضي وحتى قتل في نهاية الأربعينيات من نفس ذلك القرن المنصرم ربما كانت تلك الفترة هى أكثر تميزا.

هذا التميز كان له اعتبارات كثيرة أهمها أن الهيكل والبنية التحتية للتنظيم، بدءا من تشكيل التنظيم من أسر وشعب ومناطق ومكاتب إدارية للمحافظات ومكتب إرشاد وهيئة تأسيسية، ثم العلاقة بين الإخوان مع السلطات والحكومات المتعاقبة، وكذلك العلاقات مع الحاكم المحتل والقضايا الأممية كفلسطين وحركات التحرر العربية والإسلامية، والعلاقة مع الكيانات الحزبية المنافسة سواء الإسلامية أو غير ذلك. كل ذلك هناك إجماع تنظيمي في البداية على صحة ما نفذه "البنا" ومن معه من آليات لترسيخ وجود الجماعة.

بالفعل والجميع يعلم أن هناك أخطاء كثيرة وقعت فيها الجماعة سواء بإرادتها أو دفُعت لها. بدءا من 1952 وحتى وقع الانقلاب العسكري في يوليو 2013.

ولو راجعنا التاريخ ولأدبيات الجماعة المعتمدة من رسائل البنا، أو ما خرج عن قياداتها سنتأكد أن الجماعة لديها مشروع وطني مبني على رغبة في إلصاق هذا المشروع بالحضارة الإسلامية على مستوى الثقافة "أستاذية العالم" وعلى مستوى الشكل "الخلافة الإسلامية".

"2"

سببان ربما يقفان دوما في مواجهة الإخوان ويعملان على جذبهما للخلف. ومن الممكن أن نقول إنه سبب ونتيجة.

أولاً مع السبب: هذا المشروع الذي يتبناه الإخوان انطلاقا من دولة محورية كمصر لن يُسمح له بالمضي في ظل تعقد أطراف المعادلة الإقليمية والدولية وكياناتها المؤثرة، باعتبار أنها منطقة تصارع نفوذ على النفط والزراعة، والممرات المائية، ومحاور ربط بين شمال ووسط إفريقيا، وبين إفريقيا وآسيا، فضلا عن وجود الكيان الصهيوني المحتل في فلسطين.

في ظل هذا التعقيد والتصارع على النفوذ والخلفية العقدية لهذا الوضع يظل مشروع الإخوان "التحرري" أزمة وعائق لهذه الأطراف الدولية والإقليمية. فعليه الخيار الدائم لها هو "الإجهاز على الإخوان" بأي ثمن وبأي طريقة.

هذا السبب تبعه نتيجة. وهو تقوقع الإخوان. وتوقف المنتوج الفكري لها. وبات أفرادها يقضون فترات طويلة سواء في المطاردة أو السجن وربما القتل وأحيانا في الكمون والسكون لحين حدوث فرجة.

ومع توقف المنتوج الفكري، زاد الإيمان داخل التنظيم بأهمية تماسك التنظيم باعتباره القادر على إنفاذ الطموح الأول "الخلافة وأستاذية العالم" دون أن يكون هناك وضوحا كاملاً لإجراءات تحقيق هذا الحلم.

وربما يرى البعض أن هذا سبب تراجعا حادا في القبول المجتمعي للجماعة. وربما هذا صحيح. ولكن لنكن صرحاء كيف لجماعة طوال حياتها تعيش ضغوطا بهذا الحجم "اعتقال وقتل ومصادرة وتضييق ومطاردات" وفي الوقت نفسه تسعى أن تزيد من القاعدة الأفقية في هرم التنظيم، كما أن الجماعة نجحت في بناء مجموعات عملية رصينة في الطب والهندسة والبحث العلمي وفي علوم التنمية الإنسانية والتربوية. ولكنها لم تنجح في بناء منظومتين للإعلام والسياسية، هاتان المنظومتان وخصوصا الإعلام، وعلوم التسويق السياسي وبناء الصورة الذهنية كان من الممكن للجماعة أن تبنيهما بكل سهولة.

"3"

في السنوات العشر الأخيرة قبيل ثورة يناير 2011. بدا وكأن هناك حراكا جديدا يدب في الجماعة. ساعد في ذلك ظهور تيارات سياسية تنادي بمطالب تطالب بها الجماعة كالحرية والعدالة الاجتماعية، وارتفاع المد الرافض لنظام مبارك والتوريث، وكذلك الوضع الإقليمي خصوصا بداية ما سمي "الحرب على الإرهاب" والاحتلال الأمريكي لافغانستان، واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، واحتلال العراق.

الدولة العميقة كانت بالفعل قد نجحت في إبعاد الإخوان عن الوصول لأي نقطة نافذة في جسم هذا الدولة مما يمكنها في الوصول لمعلومات دقيقة من شأنها تمكنها من بناء خطتها الاستراتيجية والتكتيكية، وتستطيع أن تقول "إن ما قدمه الإخوان خلال حكم مبارك كان أقصى ما كان يستطيع الإخوان تقديمه أثناء حكم مبارك" خصوصا وأن سلامة التنظيم وأفراده كان هدفا استراتيجيا لم يكن للإخوان التنازل عنه "سواء على مستوى القيادة أو الجنود"، كما أن البناء الفكري للجماعة كان مكتفيا بمواجهات محدودة مع مبارك وليس فكرة الثورة الشاملة ضده. باعتبار أنها جماعة إصلاحية.

"4"

ولنكن صرحاء أيضاً. أن الإخوان كجماعة إنسانية بيحكمها قواعد علم "دينامية الجماعات" القائم على التماسك بأشكاله المتنوعة، بمعنى أن اﻟﺘﻤﺎﺳﻚ ﻧﺘﯿﺠﺔ وﻟﯿﺲ ﺳﺒﺒًﺎ، وﺣﯿﻨﻤﺎ ﺗﺪرس ظﺎھﺮة ﺗﻤﺎﺳﻚ الجماعات الإنسانية ﻧﺠﺪ أن ھﺬه اﻟﻈﺎھﺮة ﻟﮭﺎ ﺻﻔﺎت وھﺬه اﻟﺼﻔﺎت ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻤﺴﮭﺎ، مثل:

1ـ أن أﻋﻀﺎء اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﯾﻌﻠﻮن ﻣﻦ ﻗﯿﻤﺔ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ، أي ﻣﻦ ﻗﯿﻤﺔ اﻟﻌﻤﻞ اﻟﺠﻤﺎﻋﻲ، وﻓﻲ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﺘﻤﺎﺳﻚ ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺒﯿﺮ ﻧﺠﺪ اﻟﻌﻀﻮ ﻓﯿﮭﺎ ﯾﺘﺤﺪث ﻋﻦ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ وﯾﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺧﺪﻣﺘﮭﺎ أﻛﺜﺮ ﻣﻤﺎ ﯾﻌﻤﻞ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ ﻧﻔﺴﮫ.

2ـ ﺗﺘﻤﯿﺰ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﻤﺘﻤﺎﺳﻜﺔ ﺑﺄن أﻋﻀﺎءھﺎ ﻣﺘﻀﺎﻣﻨﻮن ﺑﻌﻀﮭﻢ ﻣﻊ اﻟﺒﻌﺾ اﻵﺧﺮ، وﻋﻤﻠﯿﺔ اﻟﺘﻀﺎﻣﻦ اﻟﺘﻲ ﺗﺤﺪث ﻓﻲ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﻤﺘﻤﺎﺳﻜﺔ ﺗﺸﻌﺮ ﻛﻞ ﻓﺮد أﻧﮫ ھﻮ اﻟﻤﺴﺌﻮل ﻋﻦ ﻋﻤﻞ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ، وﯾﺠﺐ ﻋﻠﯿﮫ أن ﯾﻌﻤﻞ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ.

3ـ إﺣﺴﺎس اﻟﻔﺮد ﺑﺠﺬب اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﻤﺴﺘﻤﺮ واﻟﻘﻮي ﻟﮫ ﻟﻜﻲ ﯾﺒﻘﻰ ﻋﻀًﻮا ﻓﻲ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ.

-4 ﯾﺘﻤﯿﺰ أﻋﻀﺎء اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﻤﺘﻤﺎﺳﻜﺔ ﺑﺎﻋﺘﺰاز وﻓﺨﺮ ﻛﻞ ﻣﻨﮭﻢ ﺑﺎﻻﻧﺘﻤﺎء إﻟﻰ ھﺬه اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﺑﺎﻟﺬات، وﺑﺘﺄﻛﯿﺪ ﻛﻞ ﻋﻀﻮ ﻓﯿﮭﺎ ﻟﻮﻻﺋﮫ ﻧﺤﻮ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ وﻧﺤﻮ أھﺪاف اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ، وﻻ ﯾﺴﻌﻰ إﻟﻰ ﺗﻔﻜﻚ ھﺬه اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ.

5ـ ﺗﺘﺼﻮر اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﻤﺘﻤﺎﺳﻜﺔ ﺑﺄﻧﮭﺎ ﻓﻲ ﻣﺮﻛﺰ ﺗﻔﻮﻗﻲ ﻋﻠﻰ اﻟﺠﻤﺎﻋﺎت اﻷﺧﺮى اﻟﻤﺘﻤﺎﺳﻜﺔ، وھﺬا ﻣﺠﺮد ﺷﻌﻮر أو إﺣﺴﺎس ﻣﻦ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﺑﺄﻧﮭﺎ ﻣﺘﻔﻮﻗﺔ.


هذه الجماعة المتماسكة لها ميزات تفرقها عن غيرها وهي:

-1 اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﻤﺘﻤﺎﺳﻜﺔ ﺗﻘﺪم ﻟﻜﻞ ﻋﻀﻮ ﻣﻦ أﻋﻀﺎﺋﮭﺎ ﻣﺴﺎﻧﺪة ﻗﻮﯾﺔ وﻓﻌﺎﻟﺔ ﻛﻠﻤﺎ ﻗﺎﺑﻞ اﻟﻌﻀﻮ ﻋﺎرًﺿﺎ ﻣﺜﯿًﺮا ﻣﻘﻠﻘًﺎ.

-2 ﺗﻘﺪم اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻷﻋﻀﺎﺋﮭﺎ ﺷﻌﻮًرا ذاﺗﯿًﺎ ﯾﺮﺿﻲ ﻛﻞ ﻓﺮد ﻣﻦ أﻓﺮاد اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻋﻦ ﻋﻀﻮﯾﺘﮫ ﻓﻲ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ، وھﺬا اﻟﺮﺿﻰ ﯾﺸﺒﻊ ﻟﺪﯾﮫ اﻻﺣﺘﯿﺎﺟﺎت اﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ، اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ واﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ واﻟﻮظﯿﻔﯿﺔ.

-3 زﯾﺎدة اﻟﺘﻮاﻓﻖ ﺑﯿﻦ اﺗﺠﺎھﺎت أﻋﻀﺎء اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ، وھﺬه اﻟﻨﻘﻄﺔ ﺑﺎﻟﺬات ﻓﻲ ﻏﺎﯾﺔ اﻷھﻤﯿﺔ، ﻓﺎﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﻤﺘﻤﺎﺳﻜﺔ ﻟﮭﺎ أﻓﻜﺎر وأھﺪاف ﻣﺘﺤﺪة ﯾﺴﻌﻰ اﻟﺠﻤﯿﻊ ﺑﺈﺧﻼص إﻟﻰ ﺗﺤﻘﯿﻘﮭﺎ.

-4 اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﻤﺘﻤﺎﺳﻜﺔ ﺗﺴﺎﻋﺪ ﻋﻠﻰ اﻟﺘﺨﻠﺺ ﺑﺴﺮﻋﺔ ﻣﻦ أﻋﻀﺎﺋﮭﺎ اﻟﻤﻌﻮﻗﯿﻦ ﻟﻌﻤﻠﮭﺎ.

-5 ﺗﺸﺒﻊ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﻤﺘﻤﺎﺳﻜﺔ ﺣﺎﺟﺔ اﻟﻌﻀﻮ إﻟﻰ اﻻﻧﺘﻤﺎﺋﯿﺔ، ﻓﺎﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﻤﺘﻤﺎﺳﻜﺔ ﺗﺸﺒﻊ ھﺬه اﻟﺮﻏﺒﺔ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻋﻀﻮ ﻣﻦ أﻋﻀﺎﺋﮭﺎ.


كل معايير التماسك تلك، وفي ظل غياب المنتوج الفكري، المتفاعل مع الصراعات الدولية التي تواجهها الجماعة ككيان دولي منتشر في كثير من دول العالم، كل ذلك ربما كان سببا فيما وصلت له الجماعة من أزمات. وباتت الجماعة تواجه أزمة وعي كبيرة. الكل شريك فيها سواء القيادة أو القاعدة.

"5"

حالة الحب من قاعدة الجماعة للقيادة نابعة من سمات "الجماعات الإنسانية المتماسكة" فتجد تغليب لقواعد "السبق والسن والإكبار وحفظ الجميل والتضحية"، فلا تجد في الجماعة تجريح لأي من مسؤوليها "إلا في نطاقات محدودة للغاية"، ويبقى هناك مساران لهذا التجريح إما "رجوع المجرح عن تجريحه أو خروجه من الجماعة إما في صمت أو بجلبة".

حالة الحفاظ على الجماعة مشغوف بها أعضاء التنظيم. وربما ظهرت لحظات خرج الإخوان فيها عن هذا الإطار، مثل التظاهرات ضد تعديل المادة 76 و77 لدستور 71 عام 2005، وكذلك المظاهرات المطالبة باستقلال القضاء، والتي اعتقل فيهما قرابة ال5 آلاف من الإخوان، وتبعتها المحاكمات العسكرية لأكثر من 50 من قيادات الإخوان.

ومن هذه اللحظات التي خرجت فيها الجماعة عن إطار الحفاظ عن التنظيم هو النزول بكثافة يوم 28 يناير 2011 والاستمرار في الاعتصام بميدان التحرير، والمشاركة الواضحة في صد الهجوم عن الميدان في موقعة الجمل الشهيرة يومي 2و3 فبراير 2011.

ولكن سرعان ما عادت الجماعة مجددا لحالة السير بدون خطة سياسية واضحة سوى الوصول لحالة الحفاظ على الدولة بمؤسسات جاهزة دون وضع تصور واضح لتحييد تلك المؤسسات أو مواجهتها أو تفكيكها وإعادة تركيبها. وكيف له أن يضع خطة دون أن يكون لديه معلومة متكاملة من داخل كيان الدولة العميقة. ويمكن هنا أن نطرح تساؤل : ما هو مفهوم الدولة لدى الإخوان؟ هنا تكمن الأزمة.

غياب المكون الثقافي لقضايا رئيسة تسبب في تقويض حركة الإخوان. والكل هنا شريك في الأزمة سواء قيادة أو أفراد. حتى الذي كان يطرحه عبد المنعم أبو الفتوح كان مجموعة من الأفكار الشكلية التي تستطع الدخول إلى عمق عملية التغيير على المستوى الأفقي والرأسي، سواء على المستوى المجتمعي أو السياسي أو الأمني أو الثقافي أو الملف الدولي.

فكرة أخرى هامة أغفلها الإخوان وهي كيفية تفكيك دولة "الظلم" المستبدة. ما هي الخطة المبنية على أفكار من خارج الصندوق لإرباك الخصم "المستبد" ومن شأنه وضع قواعد جديدة للعبة، لا السير على خط مستقيم ترسمه تلك الدولة العميقة يسير عليها الإخوان ومن هم على شاكلتهم.

فكرة أن الإخوان نسقوا مع العسكر أو تواطئوا أو خانوا الثورة ليست صحيحة, الحقيقة أن العسكر فقط فهم الإخوان وما يريدونه. استفاد من العقلية الإخوانية في قراءة المشهد. لعب عليهم بكل سهولة وضعهم على "التراك" وضغط عليهم يمينا ويسرة، باستخدام آلاته الإعلامية "كتاب قنوات فضائية إذاعات صحف ومواقع الكترونية" وأذرعه السياسية "حركات وأحزاب وكيانات وشخصيات" وحتى حانت لحظة القصف قرر أن يقضي مجددا عليهم في انقلاب 3 يوليو.

اندفاع الإخوان نحو العمل المجتمعي، والتواصل البيني بين أفراد الجماعة وخصوصا الشباب عقب ثورة يناير ربما كان نقلة نوعية في الطاقة النفسية التي شكلت "صمود ما بعد إعلان الانقلاب"، فالأفراد قدموا للوطن الكثير من مال ووقت وخدمات وغيره. كما أن شباب الجماعة تعرفوا على بعضهم البعض، فزاد ارتباطهم ببعضهم البعض وبالتنظيم، وهذا التواصل هو الذي نجح في إحداث هذا الحراك الرافض لحكم العسكر، وبدا وكأن المشهد الثوري يقوده الشباب من خلال هذه الفعاليات في الجامعات والشوارع، وحجم التضحيات التي يقدمونها سواء بموتهم أو اعتقالهم.

"6"

عقب انقلاب يوليو أصبحنا أمام قيادة "إخوانية" في الداخل وأخرى نجحت في الوصول لدول أكثر أمناً. ويمكن أن نقسم قيادة إخوان الداخل والخارج لمستويين رئيسيين. الأولى "التنفيذ والتنسيق" وثانية " مجموعة اتخاذ القرار".

وقبل أن نحلل هذين المستويين من الممكن أن نقول إنه في ظل ما ظهر من معلومات موثقة بالصوت والصورة لقيادات سياسية وحزبية وعسكرية فالانقلاب عُدّ له من 11 فبراير 2011 "أحيلكم لحوارات كل القيادات الحزبية والسياسية وحوارات السيسي" وبناء عليه فجميع قرارات الإخوان كانت استجابة لهذه الضغوط. كان الممكن تقليل الخسائر, أو إطالة أمد الوصول للحظة الانقلاب، أو وضع قواعد جديدة للعبة أيضا من شأنها تؤخر الوصول للحظة وقوع الانقلاب، وحينها كان من الممكن أن يكون وضع الجماعة أفضل مما كانت عليه يوم الانقلاب.

جملة الأخطاء التي وقع فيها الإخوان بعض منها مقبول في طور جماعة تعيش حرية غير مسبوقة عقب ثورة "25 يناير"، وأخطاء أخرى غير مقبولة وليس معناها أن يقتل أفرادها بالالاف ويعتقل منتسبوها بعشرات الآلاف. ولغلق الصفحة فعشرات من الناشطين بالجماعة كتبوا وأوردوا في مقالات وتصريحات ما وقعوا فيه من أخطاء وأنهم يعملون على تصحيحها، فلا داعي للتكرار.

عودة للمستويين القيادي بالجماعة عقب الانقلاب، إخوان الداخل سواء القيادة أو مجموعات التنسيق وفي ظل هذا الكم من التضييق وعمليات القتل والاعتقال والمطاردات ناجحة في الحفاظ على الحراك الرافض للانقلاب، ووضع تصورات لإنهاك السلطة العسكرية، كما أن من بالداخل مع معايشتهم للأحداث قرروا ترك مساحات واسعة للشباب ولقيادة ميدانية جديدة أن تضع قواعد اللعبة مع الانقلاب. ورغم هذا فهناك ربما حاجة للتطوير.

إخوان الخارج فكلا المستويين "اتخاذ القرار أو التنسيق" لم ينجحوا في ظل أفكارهم التنظيمية أو قدراتهم العملية في دفع عملية رفض الانقلاب. ويجب أن يتأكد الجميع هنا أن من فعل هذا الزخم العالمي في الأساس هم الثوار في الميادين وثانيا الدافع الإنساني للمجموعات الرافضة للممارسات القمعية للانقلاب. بالتأكيد هناك دور تنسيقي لهذه القياداة الإخوانية، ولكن ما ظهر من نتائج خصوصا في ملف تفعيل الجاليات العربية والإسلامية والمصرية وقضية "الجنائية الدولية" التي رفعت لاعتبار أن ما يحدث في مصر جرائم حرب، والتي رفضت لأسباب كثيرة، والتي ظهرت في فشل الملف الإعلامي، والتسويق السياسي لما حدث في مصر. كل هذا يضع قيادات الخارج بمستوييها "اتخاذ القرار والتنسيق" في موقف حرج.

قناعتي أن الأفراد والقيادة الميدانية في الداخل لديهم هدف وهم ناجحون فيه، وهو مواجهة الانقلاب، وأنه علي قيادة "أخذ القرار" المستمرة منذ ما قبل 30 يونيو 2013 والتي استقرت في الخارج بعد الانقلاب، قناعتي أن تأخذ هذه القيادة خطوة أو خطوتين للخلف وأن يتقدم آخرون.. كيف وما ومتى؟، كل هذه الإجراءات يجب أن تقوم بها مجموعة "أخذ القرار" خطوة منها لكي يقبلها الصف، ولكي تحفظ هي وحدة الصف.


الإخوان لن يقبلوا بأي حل قد يتسبب في انقسام "الصف"، أفراد الجماعة في اجتماعاتهم الداخلية يمطرون القيادة بكل أنواع النقد، ولكنهم يتعاملون مع ذات النقد بشيء من الرفض إذا جاء هذا من خارجها، خصوصا وأن هناك حالة من عدم الثقة تجاه الناقدين عقب الانقلاب وتكشف حقيقة البعض التي خدعت الجماعة والرئيس.



 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق