السبت، 24 مارس 2012

أزمة "وطن" أم "جماعة"


ربما يوم الثلاثاء 27 مارس الجاري هي اللحظة الأكثر حسماً في تاريخ الجمهورية الثانية المصرية التي لاتزال معالمها تتشكل عقب نجاح ثورة يناير، فاجتماع مجلس الشوري العام لجماعة الإخوان المسلمين –السلطة العليا لجماعة الأكثر حضوراً في الشارع المصري- والذي سيتم فيه اتخاذ قراراها النهائي بشأن الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في مايو المقبل.
الجماعة وعلي لسان قيادي بالجماعة قال: إن الجماعة بالفعل في موقف صعب، وخصوصاً منذ فتح باب الترشيح في 10 مارس الجاري والمقرر غلقه 8 أبريل المقبل، فخيار الجماعة التي ارتضه منذ عام ويزيد في اجتماع مجلس شورها 10 فبراير قبيل يوم من تنحي الرئيس المخلوع حسني مبارك العام الماضي إذ قررت "أنها لن ترشح أحد من أبنائها ولن تدعمه رئيساً للجمهورية في تلك المرحلة"، وعليها قررت إزالة عضوية القيادي التاريخي بها عبد المنعم أبو الفتوح بحسب نص قرار مجلس الشوري العام في جلسته العادية في الدورة الرابعة المنعقد في 18 يونيو الماضي لإعلانه الترشح إلى رئاسة الجمهورية بالمخالفة لقرار مجلس الشورى العام في 10/2/2011م، والمؤكد في جلسة مجلس الشورى 29، 30/4/2011م، وكذلك الخروج على نظم وقواعد الجماعة.
الموقف الحرج لم يكن فقط في الضغط الداخلي من شباب وقيادات بالجماعة لدعم أبو الفتوح ولكن من خارجها بعد ظهور تعاطف شعبي "ما" تجاه أبو الفتوح، ولكن لغياب الشخصية القوية التي تحدثت الجماعة طوال العام الماضي والتي قالت إنها ستقدمه في الوقت المناسب- حتي فات الوقت المناسب-، ليس هذا فحسب ولكن تقدم حازم صلاح أبو إسماعيل كمرشح يتمتع بدعم من القواعد السلفية الشعبية، وكذلك وجود مرشحين محسوبين علي نظام المخلوع مبارك يتم تصويرهم علي أنهم مؤثرين في العملية الانتخابية، مدعومين بثقافة شعبية غير مكتملة ودعم كيانات ودول تريد قتل الثورة بديكتادور.
الموقف الذي وقعت في الجماعة كان لزاماً أن تخرج منه، وخصوصاً بعدما طرح البعض داخل الجماعة نفسها التراجع عن موقف ترشيح أحد أبناء الجماعة باعتباره قيادة قادرة علي ضبط الدفة وإسقاط أي من المعارضين له من داخل الجماعة وخارجها سواء المختلفين معها ايدلوجياً أو المفصولين أو المستقلين منها، فضلا عن قدراته الاقتصادية وعلاقاته الدولية الجيدة – بحسب كلام القريبين منه-.
القيادي الإخواني الذي رفض ذكر إسمه قال إن الجماعة بالفعل ومنذ منتصف العام الماضي عقب الاستفتاء علي التعديلات الدستورية فاتحت عدد من الشخصيات الوطنية التي لها خلفية إسلامية في موضوع الترشح لمقعد الرئيس ومنهم المستشار طارق البشري، والمستشار حسام الغرياني رئيس المجلس الأعلي للقضاء، وآخرين رفضوا التقدم في السباق الرئاسي وأن يفقدوا هيبيتهم مع تصاعد الحس الثوري الذي لن يرضي بحد أو سقف مطالب متدني.
أزمة الرئاسة جزء من أزمات الجماعة – بغض النظر عن حجم الأزمات- مرت بها عقب نجاح الثورة وخصوصاً أزمات خروج عدد من القيادات التاريخية منها نائب المرشد السابق محمد حبيب، والقيادي إبراهيم الزعفراني، وعدد من الشباب الذين فصلو لمخالفاتهم قرارات الجماعة بشأن العمل الثوري، والخروح عن الأطر التنظيمية، وتقاليد السمع والطاعة المعمول بها داخل الجماعة، ثم إنشاء حزبها الحرية والعدالة والسجالات الداخلية التي أعقبت تشكيله وعلاقاته بالجماعة، وإمكانية تحقيقه الاستقلال عنها.
القيادي الإخواني بمجلس الشوري العام قال إن حالة الإنهاك التي تعرضت لها الجماعة علي مدار الشهور التي تلت نجاح الثورة في  فبراير 2011 استمرت، خصوصاً وأنها باتت متهمة دوماً بأنها عاقدة صفقات تارة مع المجلس العسكري، وتارة مع تيارات سياسية أخري، وأخري مع قوي خارجية، وهو مانفته الجماعة مشيرة إلي أن مواقفها ثابتة، وأن هناك من يريد إحداث نظرة شعبية سلبية تجاهها، فضلاً عن الأزمات المسيحية مع التيار السلفي تارة ومع العسكر تارة أخري وهو ماجعلها تحت ضغط وخصوصاً وان الإخوان متخوفون دوما من إطالة الفترة الانتقالية تحت حكم العسكر مستعيدين ذاكرتهم الأليمة في 54 مع ضباط "عبد الناصر".
هذا الضغط النخبوي تجاه الجماعة استمر طوال الوقت وظهر في الاستفتاء علي التعديلات الدستورية في مارس العام الماضي، وفي دعوات "الدستور أولاً"، وكذلك الصدام الخفي مع المجلس العسكري ووثيقة السلمي للمبادئ فوق الدستورية، ثم الانتخابات التشريعية بشقيها التي استنفزت كثير من الطاقات البشرية والمادية للجماعة، ثم معركة الدستور الجديد والتي يتعامل معها الإخوان بذكاء- إلي حدما- في ظل الاندفاع السلفي نحو دولة إسلامية "وهابية" يرفضها المصريون.
الضغط الشعبي هو الآخر كان حاضر بعد انتهاء الاستحقاق التشريعي، خصوصاً وأن الشعب لديه أزمات حقيقية، تتمثل في انفلات أمني متعمد، ونقص في احتياجاته الأساسية من خبز وبوتاجاز وسولار وبنزين  وأرز ولحوم مع تفشي سلالة جديدة من الحمي القلاعية، واستمرار حالة البطئ الحكومي في التعامل مع الأزمات، وتحميل البرلمان ذو الأغلبية الإسلامية والأكثرية الإخوانية استمرار تلك الحالة ولسان رجل الشارع "أمال إحنا انتخبناكوا ليه؟!"، وسعيها الحثيث لتشكيل حكومة إئتلافية بقيادة "الشاطر" الاقتصادي.
القيادي الإخواني وعضو المكتب التتنفيذي بحزب الجماعة "الحرية والعدالة" محمد البلتاجي قال أيضا:  "الدستور والحكومة والرئاسة" ثلاث محطات رئيسية في الفصل الأخير من المرحلة الإنتقالية لنكتب عبورا بالثورة إلى بر الأمان أو لا قدر الله ونعود أدراجنا لنقطة الصفر، مضيفا "أظن أن المعركة الطبيعية في المحطات الثلاث ليست بين القوى السياسية وبعضها البعض, ولكن بينها جميعا من جانب وبين المجلس العسكري من الجانب الآخر".
البلتاجي قال إن المعركة المصطنعة في الدستور بين العلمانيين والإسلاميين هي معركة وهمية صنعتها الحساسية المفرطة وضعف الثقة بين الأطراف بينما المعركة الحقيقية هي مدى الرقابة الدستورية على المؤسسات العسكرية والمخابراتية والأمنية وصلاحيات الرئاسة القادمة ، وأن المعركة الحالية بين البرلمان والمجلس العسكري حول إقالة أو بقاء الحكومة ليست فقط حول "هل تتوقف أو تستمر الأزمات المصطنعة و المتكررة على يد هذه الحكومة بما يهدد حاضر و مستقبل الوطن? " وإنما جوهر المعركة هو : هل يسلم المجلس العسكري ملفات "الداخلية والخارجية والمالية والعدل= مفاصل الدولة" لحكومة مدنية لا يسيطر هو عليها.
وأكمل: إن معركة الرئاسة الحقيقية ليست بين المرشحين إسلاميين وغير إسلاميين ولا بين الإسلاميين وبعضهم البعض, لكنها بين المرشحين الذين لا يقبلون أن يحكم المجلس العسكري من وراء ستار وبين الذين لا تشغلهم هذه المسألة كثيرا أويقبلون بها، مضيفا "علينا جميعا أن ننتبه لحقيقة المعركة حتى لا ينتهي الشوط الأخير من المرحلة الإنتقالية بما يبدد الحلم الذي عشناه عشرات السنين وبدأنا نراه حقيقة في 25 يناير 2011. علينا الإنتباه جيدا حتى لا تتيه الأقدام , المسؤلية على الجميع وإن كان الإسلاميون يتحملون القسط الأكبر منها"
حالة السكون العلنية بين الجماعة والمجلس العسكري يقصدها كلاً من الجانبين، الإخوان وبحسب قيادي بها "لانريد صداماً.. لانريد دم"، مشيراً إلي أن المجلس العسكري بات أمام حقيقة واقعة "تسليم السلطة في يوينو" وأن مايحدث الآن من أزمات "سولار- وحكومة- خبز" مصطنعة وتعبر عن حالة "فلفصة للعسكري" وأن هدف الجماعة ليس إسقاط الجيش ولكن تطويع "المجلس العسكري" ليكون ضمن منظومة مدنية ترضي بخيارات الشعب عبر الانتخابات الشرعية. 
السلفيون كانوا حاضرين في الأزمة الإخوانية وخصوصاً منذ لحظة خروجهم من التحالف الإنتخابي الإخواني "التحالف الديمقراطي من أجل مصر" وباتوا الوصيف السياسي للإخوان بحصدهم 25% من مقاعد مجلسي الشوري والشعب، فضلا عن تواجدهم الشعبي القوي من خلال مرشح رئاسي "حازم صلاح أبو إسماعيل" واستعدادتهم لخوض الانتخابات المحلية التي يسعي الإخوان اقتناصها لتحقيق جزء من الرضا الشعبي عنهم وللبدء في مشروعهم النهضوي الذي يقوم عليه نائب مرشدهم خيرت الشاطر.
هذه الأزمات تجمعت فجأة علي الإخوان وباتوا أمام الاستحقاق الرئاسي، وفي ظل تلك الأزمات بات المرشح المدعوم من الإخوان طبقا لشروطها "إسلامي غير فصائلي- تاريخ وطني- غير عسكري- قبول القواعد الإخوانية به"، ويظهر ذلك في حديث متناثر عن احتمالية تراجع الجماعة عن قرارها السابق ودعم نائب مرشدها خيرت الشاطر، بل وتظهر الأزمة بشدة في تصريح أمين الجماعة د.محمود حسين "هناك مَن يحاول أن يلجئ الإخوان للدفع بمرشح للرئاسة منها، وحاولنا الدفع بأكثر من شخصية عليها توافق إلا أنهم رفضوا، ربما خوفًا من المرحلة أو هناك ضغوط تمت ممارستها عليهم".
الحديث عن ترشيح الشاطر نفسه بات مثار جدل داخل الجماعة التي رأت في ذلك خطرا محدقا علي بنية التنظيم الذي لم يعرف فيه أن تراجع مجلسه شورته أو مكتب إرشاده عن قراره يوماً تحت شعار "البركة في الشوري"، وباتت الجماعة منقسمة حول رأيين، الأول أنها اللحظة المناسبة لأن يكون للمشروع الإسلامي الإخواني مكاناً له علي الساحة، وأن الشاطر وإمكانياته تساعده علي ذلك، والرأي الثاني يري أن "المبادئ لاتتجزأ" وأن قرار الشوري ملزم ومبني علي رؤية ومعلومات لم تتغير بل أن الأمور تسوء وأن الدفع بمرشح إخواني سيكون خطرا علي مصر في تلك المرحلة الحساسة، وستواجه الجماعة عندئذ الغرب والصهاينة والولايات المتحدة ودولاً عربية فضلاً عن الشعب الذي لن يسمح بأن يواجه حصاراً اقتصادياً بعد سنوات فقر عاناها مع المخلوع.
الأزمة في ترشيح الشاطر هو ما سيخلفه ذلك من فقدان الثقة الشعبية في الجماعة التي قررت في سابق امتناعها عن الترشح، فضلا عن فخر أعضائها بالتمسك بذلك المبدأ والذي فقدت معه عدد من أبنائها ومنهم أبو الفتوح القيادي التاريخي.
الخيارات جميعها صعبة بكل تأكيد وباتت الجماعة بحسب قيادي في مجلس الشوري العام أمام خيارات أربع، الأول مواصلة السعي لإقناع أحد الشخصيات الوطنية ذو الخلفية الإسلامية بقبول الترشح "وهو صعب في ظل ضيق الوقت"، والثاني دعم أحد من المرشحين الحاليين، ومن بينهم أبو الفتوح، بل قد يكون هو الأقرب لوجود قدر من الإجماع حوله، سوي مجموعات من السلفيين الذي يقودون حملة كبيرة لدعم حازم صلاح ابو إسماعيل، والثالث الدفع بمرشح من داخل الجماعة، وربما يكون الشاطر هو الأقرب كونه وجه مقبول لدي أبناء الفكرة السياسية الإسلامية، والرأي الأخير عدم الدفع وعدم الدعم وترك الباب مفتوحاً للأعضاء، وهو خيار أقل من سابقيه لأنه يعطي الفرصة لتفتيت الأصوات وصعود أحد من "الفلول".
خيار آخر تفكر فيه الجماعة للخروج من أزمتها، أو ماتسميه أزمة الوطن، إذ إنها تربط بين أسماء المرشحين المطلوبين ومصلحة الوطن، خصوصا ً وأنها تري أن الأسماء المطروحة لن تكون قادرة علي قيادة الدفة في تلك المرحلة السابقة، الخيار المطروح وهو كما يسميه المتخصصون "من خارج الصندوق" وهو يجيب علي سؤال "هو ليه الناس مركزة علي اسم المرشح في ظل التأكيد علي أنه أياً كان المرشح سيتمتع بصلاحيات محدودة حتي لانصنع فرعوناً جديداً، وأن تكون للحكومة التي جاءت عبر برلمان منتخب دور أكبر"، الإجابة عن السؤال كانت قد تكون المخرج للجماعة من أزمتها، أو أزمة الوطن، وهي "دولة برلمانية بدستور عليه إجماع وطني"، أو الأقل تقلي صلاحيات الرئيس للحد الأدني.
مايؤكد سعي الإخوان للخروج من الأزمة تصريح النائب والناشط السياسيي د. عمرو حمزاوي "أن التعجل بالحكم علي تشكيل الجمعية التأسيسية أمر غير مقبول خاصة أن القوى الإسلامية قدمت تأكيدات علي حسن نواياها تجاه مشاركة كل الكتل السياسية ،وأشار الي أن حزبي الحرية والعدالة والنوار أبدو حسن تصرفهم حسب الأنباء التي أكدت ان الحزبين قاما بترشح عدد من الرموز الليبرالية ضمن قوائمها لمرشحي الجمعية التأسيسية وأعلنو رغبتهم في تمثيل كافة القوى الممثلة في البرلمان ضمن نسبة ال50% المخصصة للبرلمان مؤكدا أن التعجل بالحكم علي الجمعية التأسيسية قبل تشكيلها لمجرد ان البرلمان حصل علي نصف تشكيلها هو حكم خاطئ وكان الأحري بالقوى التي قاطعت الجمعية التأسيسية أن تنتظر الصورة النهائية لها قبل اصدار موقف سلبي من الإسلاميين .
حمزاوى في تصريحه شدد علي "أنه يثق في تعقل الأغلبية الإسلامية وحرصها علي تمثيل أكبر قد من الفئات والتيارات في الجمعية التأسيسية للوصول الي دستور توافقي يرضى الشعب ويحوز أكبر قدر من الرضا الشعبي في الإستفتاء معتبرا أن طرح نسبة 50/50 في تشكيل التأسيسية ليس معناها تلوين الدستور بلون معين لأن الدستور في النهاية ملك للشعب المصري بأكمله".
الإخوان لم يكن لديهم أزمة مع أن تكون الدولة برلمانية بل قالت في برنامج حزبها الذي تقدمت به للجنة شؤون الأحزاب يونيو 2011 الماضي "يرى برنامجنا أن النظام البرلماني "على المدى البعيد" هو الأنسب لظروف البلاد إذ يقوم هذا النظام على أساس الفصل المرن بين السلطات مع وجود تعاون وتوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويوجد في هذا النظام رئيس دولة يسود ولا يحكم، ورئيس وزراء يتولى مسؤولية الحكم، إضافة إلى البرلمان، والتوازن النظري بين السلطات نتيجة المساواة بين السلطتين وتبادل المعلومات والرقابة والتأثير والتعاون. ومع ذلك فالنظام الأنسب لمصر فى هذة المرحلة الإنتقالية هو "النظام البرلمانى الرئاسى"، وعليه يكون السيناريو الثاني بـ "دعم أحد من المرشحين الحاليين، ومن بينهم أبو الفتوح، بل قد يكون هو الأقرب" هو الأقرب لرأي الجماعة، ويبقي الشاطر أو رجل الأعمال الإخواني حسن مالك أقرب لقيادة الحكومة".
*   ملحوظة.. من بعيد تبقي العلاقات الدبلوماسية بين الإخوان والأقباط أفضل عن ذي قبل بعدما زار مرشد الجماعة محمد بديع البابا الراحل شنودة بطريرك الكرازة المرقسية قبيل رحيله بأسبوع علي رأس وفد رفيع المستوي، فضلا عن مشاركتهم في الجنازة والتعازي- في حين فضّل السلفيون موقف فقهي تبنوه بمقاطعة كل تلك المظاهر-  وهو الأمر الذي رسخ انطباعاً جيد إلي حدما لدي جموع الأقباط بالمقارنة بموقف السلفيين منهم.



الثلاثاء، 20 مارس 2012

المأزق الإخواني.. أبو الفتوح.. الشاطر.. ثورة تتآكل


ببساطة وبدون الدخول في مقدمات نتائجها معروفة سلفا، نعم جماعة الإخوان المسلمين باتت في موقف تحسد عليه، فبعد تسريبات مصادر من داخل الجماعة تفيد بعدم قبول المستشار حسام الغرياني رئيس المجلس الأعلي للقضاء بقبول دعم الجماعة ورفضه فكرة الترشح علي مقعد الرئيس، وارتفاع بعض الأصوات المطالبة بتقدم نائب المرشد خيرت الشاطر للسباق باعتباره قيادة قادرة علي ضبط الدفة وإسقاط أي من المعارضين له من داخل الجماعة وخارجها سواء المختلفين معها ايدلوجياً أو المفصولين أو المستقلين منها.
الأزمة مشتعبة ولكن من السهولة رصدها، فالجماعة التي أعلنت في 10 فبراير قبل يوم واحد من تنحي الرئيس المخلوع مبارك أن لن ترشح أحد من أبنائها ولن تدعمه رئيساً للجمهورية في تلك المرحلة، وعليها قررت إزالة عضوية القيادي التاريخي بها عبد المنعم أبو الفتوح بحسب نص قرار مجلس الشوري العام في جلسته العادية في الدورة الرابعة المنعقد في 18 يونيو الماضي لإعلانه الترشح إلى رئاسة الجمهورية بالمخالفة لقرار مجلس الشورى العام في 10/2/2011م، والمؤكد في جلسة مجلس الشورى 29، 30/4/2011م، وكذلك الخروج على نظم وقواعد الجماعة.
الأزمة سبقتها أزمات أخري من خروج لعدد من القيادات التاريخية منها نائب المرشد السابق محمد حبيب، والقيادي إبراهيم الزعفراني، وعدد من الشباب الذين فصلو لمخالفاتهم قرارات الجماعة بشأن العمل الثوري، والخروح عن الأطر التنظيمية، وتقاليد السمع والطاعة المعمول بها داخل الجماعة، ثم إنشاء حزبها الحرية والعدالة والسجالات الداخلية التي أعقبت تشكيله وعلاقاته بالجماعة، وإمكانية تحقيقه الاستقلال عنها.
حالة الإنهاك التي تعرضت لها الجماعة علي مدار الشهور التي تلت نجاح الثورة في  فبراير 2011 استمرت، خصوصاً وأنها باتت متهمة دوماً بأنها عاقدة صفقات تارة مع المجلس العسكري، وتارة مع تيارات سياسية أخري، وأخري مع قوي خارجية، وهو مانفته الجماعة مشيرة إلي أن مواقفها ثابتة، وأن هناك من يريد إحداث نظرة شعبية سلبية تجاهها، فضلاً عن الأزمات المسيحية مع التيار السلفي تارة ومع العسكر تارة أخري وهو ماجعلها تحت ضغط وخصوصاً وان الإخوان متخوفون دوما من إطالة الفترة الانتقالية تحت حكم العسكر مستعيدين ذاكرتهم الأليمة في 54 مع ضباط "عبد الناصر".
هذا الضغط النخبوي تجاه الجماعة استمر طوال الوقت وظهر في الاستفتاء علي التعديلات الدستورية في مارس العام الماضي، وفي دعوات "الدستور أولاً"، وكذلك الصدام الخفي مع المجلس العسكري ووثيقة السلمي للمبادئ فوق الدستورية، ثم الانتخابات التشريعية بشقيها التي استنفزت كثير من الطاقات البشرية والمادية للجماعة، ثم معركة الدستور الجديد والتي يتعامل معها الإخوان بذكاء- إلي حدما- في ظل الاندفاع السلفي نحو دولة إسلامية "وهابية" يرفضها المصريون.
الضغط الشعبي هو الآخر كان حاضر بعد انتهاء الاستحقاق التشريعي، خصوصاً وأن الشعب لديه أزمات حقيقية، تتمثل في انفلات أمني متعمد، ونقص في احتياجاته الأساسية من خبز وبوتاجاز وسولار وبنزين  وأرز ولحوم مع تفشي سلالة جديدة من الحمي القلاعية، واستمرار حالة البطئ الحكومي في التعامل مع الأزمات، وتحميل البرلمان ذو الأغلبية الإسلامية والأكثرية الإخوانية استمرار تلك الحالة ولسان رجل الشارع "أمال إحنا انتخبناكوا ليه؟!"، وسعيها الحثيث لتشكيل حكومة إئتلافية بقيادة "الشاطر" الاقتصادي.
السلفيون كانوا حاضرين في الأزمة الإخوانية وخصوصاً منذ لحظة خروجهم من التحالف الإنتخابي الإخواني "التحالف الديمقراطي من أجل مصر" وباتوا الوصيف السياسي للإخوان بحصدهم 25% من مقاعد مجلسي الشوري والشعب، فضلا عن تواجدهم الشعبي القوي من خلال مرشح رئاسي "حازم صلاح أبو إسماعيل" واستعدادتهم لخوض الانتخابات المحلية التي يسعي الإخوان اقتناصها لتحقيق جزء من الرضا الشعبي عنهم وللبدء في مشروعهم النهضوي الذي يقوم عليه نائب مرشدهم خيرت الشاطر.
هذه الأزمات تجمعت فجأة علي الإخوان وباتوا أمام الاستحقاق الرئاسي، وفي ظل تلك الأزمات بات المرشح المدعوم من الإخوان طبقا لشروطها "إسلامي غير فصائلي- تاريخ وطني- غير عسكري- قبول القواعد الإخوانية به"، ويظهر ذلك في حديث متناثر عن احتمالية تراجع الجماعة عن قرارها السابق ودعم نائب مرشدها خيرت الشاطر، بل وتظهر الأزمة بشدة في تصريح أمين الجماعة د.محمود حسين "هناك مَن يحاول أن يلجئ الإخوان للدفع بمرشح للرئاسة منها، وحاولنا الدفع بأكثر من شخصية عليها توافق إلا أنهم رفضوا، ربما خوفًا من المرحلة أو هناك ضغوط تمت ممارستها عليهم".
الحديث عن ترشيح الشاطر نفسه بات مثار جدل داخل الجماعة التي رأت في ذلك خطرا محدقا علي بنية التنظيم الذي لم يعرف فيه أن تراجع مجلسه شورته أو مكتب إرشاده عن قراره يوماً تحت شعار "البركة في الشوري"، وباتت الجماعة منقسمة حول رأيين، الأول أنها اللحظة المناسبة لأن يكون للمشروع الإسلامي الإخواني مكاناً له علي الساحة، وأن الشاطر وإمكانياته تساعده علي ذلك، والرأي الثاني يري أن "المبادئ لاتتجزأ" وأن قرار الشوري ملزم ومبني علي رؤية ومعلومات لم تتغير بل أن الأمور تسوء وأن الدفع بمرشح إخواني سيكون خطرا علي مصر في تلك المرحلة الحساسة، وستواجه الجماعة عندئذ الغرب والصهاينة والولايات المتحدة ودولاً عربية فضلاً عن الشعب الذي لن يسمح بأن يواجه حصاراً اقتصادياً بعد سنوات فقر عاناها مع المخلوع.
خيارات الجماعة صعبة بكل تأكيد فإن دعم أحد من المطروحين علي الساحة خياراً صعباً "سوي أبو الفتوح" عل الأقل لديه قبولاً شعبياً وإخوانياً، وربما يكون ستاراً يتلقي الصدمات بينما تعمل حكومة الإخوان وبرلمانها ومجالسها المحلية علي إنجاح المشروع، وهو خيار الجماعة سترفضه إلا إذا استنسخت أبو الفتوح آخر أو أقنعت القاضي الغرياني، أو مشابه له، أما ترك الباب "موارباً" سيعطي مساحة أكبر لتفتيت الأصوات ومن ثم نجاح مرشح "فل" يعيد نظام المخلوع.