إننا نحن إن نحتكر أفكارنا وعقائدنا.. ونغضب حين ينتحلها الآخرون لأنفسهم.. ونجتهد في توكيد نسبتها إلينا، وعدوان الآخرين عليها إننا إنما نصنع ذلك كله.. حين لا يكون إيماننا بهذه الأفكار والعقائد كبيرا.. حين لا تكون منبثقة من أعماقنا كما لو كانت بغير إرادة منا حين لا تكون هي ذاتها أحب إلينا من ذواتنا.. الشهيد سيد قطب في كلماته تلك يوجز حقائق كثيرة لابد أن يعيها من لامسته حقائقها، فمن لم تلامسه فليس هو المقصود هنا.
لم يكن الفرد المتابع والمشارك والمضحي أحيانا في ثورتنا ليتكشف أنه جزء من عمل نبيل إسمه "ثورة" إلا من عمل علي تذويب نفسه في الثورة لتكون جزء منه، هي أفكاره.. آماله.. حاضره.. ومستقبله.. يكره للثورة.. ويحب من أجلها.. وعندما تحتاجه ينزل إليها يريد تعويض ما فاته منها دما وروحا.
في يناير كانت هناك ثورة، قُصد بها رأس النظام، تحقق منها بعض ما أُريد، ضغط تلو آخر تحقق جزء آخر، بدأنا ننظر إلي ذواتنا، كل منا بدأ يبحث عن نفسه أين أنا من الثورة، غربلة أعادت فرز كل واحد منا، منا من تعلق في "الغربال" ومنا من هبط إلي الأرض في سقوط سحيق.
أفكارنا تعبر عن قناعتنا، لا ضير ولا عيب في الأفكار مادامت تستند علي الرضا بها، ليس هناك من يدفعك إليها دفعا، دفعا بالمال، أو الترهيب، أو الطموح في الوصول لكرسي أثير.
في الميدان رأينا جوا مثاليا ينبئ عن مستقبل باهر، دقق في الصورة أكثر، ليس توافقا.. ليس ترابطا، إنها اللحظة الفارقة التي تناسي الجميع بعض من خلافاته، دقق أكثر في الصورة كن أكثر عمقا.. فبعد الثورة كان هناك ثورة "فرز" لسنا طرفا فارزا فيها بل كنا طرفا مفعولا به فنحن جميعا بتنا مفروزون، ولسنا الحكم فيها بل هو الشعب.
المصريون ليس شعبا "حزب كنبي" كما يدعي البعض، أو أغلبية صامتة كما يتهمها آخرون، جمال عبد الناصر قالها وأتفق معه فيها "الشعب هو القائد والمعلم والخالد أبداً" الفارز الحقيقي لنا هو الشارع، أفكارنا وعقائدنا ليس هي الدافع الوحيد لإيمان الناس بنا، الشعب والمواطن البسيط دائما ما يكون أعمق يري مالا نري، يرانا ليس كما يحب بل علي مانحن فيه.
البعض يشتكي أن الإخوان قادرون علي حصد أصوات البسطاء لأنهم اتبعوا نظام "إطعم الفم تستحي العين" كلام يعتبره الإخوان "فارغ" وسيكون الرد عليه بسيطا إذا كان الإخوان كذلك فلماذا ثار الناس علي حزب وطني منحل فاجر رغم أنه كان يفعل مثلما يفعل الإخوان، مثلما يقول أصحاب هذا الرأي، الفرق أن الإخوان من نسيج الناس فيهم الغني والفقير الذكي وقليل الفهم، كثير العمل ونقيضه، هو الشعب الذكي القادر علي الفرز.
شعب صبور وحمول.. ليس قليل الحيلة.. ليس خنوعا.. لايرهبه الحاكم بقوته وجبروته، لقمة عيشه غالبا تحتل الصدارة، ولكن الكرامة، والمستقبل يهمونه أكثر، يري في المستقبل أولاده، ودائما يقول "خير اللهم إجعله خير".. يحب الاستقرار وليس عيبا، لكن الإهانة لا يقبلها، قد يصبر لحين تأتي الفرصة ومن ثم يكون حاكما، لحظات انتصارته قليلة ولكنها دائما تغير من مجري الكون، هو شعب "مركزي"، وعليه فهو فارز أي لديه القدرة علي الفرز، يري أصحاب الذقون بتنوعاتهم، يعرف السلفي من الإخواني و"السنية"، وحالقي الذقن الليبرالي الرأسمالي، والليبرالي الملتزم اقتصاديا، والعلماني المنفتح، والعلماني المنضبط بشروط المجتمع، والشيوعي فكرا، والشيوعي عقيدة، وووو... إنه الشعب القادر علي فرز الجميع لايهمه المسميات.
في زحمة المسميات وتواطؤ الإعلام قد تغيب عنه الحقيقية حينا من الوقت، لاتجده ساكنا، فهو متحرك دائما يبحث عن الحقيقة مثلما بحث عنها الصحابي الجليل سلمان الفارسي، فكما وجدها سلمان عند النبي، دائما يجدها المصريون عند الدين الحنيف.
شعب قدري.. قادر علي الفرز.. واع.. يعرف هدفه.. يشغله مستقبله.. ومستقبل أولاده وأحفاده أيضا.. يجد الثقة في المولي الكريم الحل الوحيد.. يتلمس في الجميع صفات "الصادق القوي الأمين"، هو نفس الشعب الذي قلد يوسف الصديق منصب "عزيز مصر" عندما وجده مؤمنا صالحا قويا وصادقا وأمينا، فجعله علي خزائن الأرض، هو نفسه الذي احتوي موسي، وعيسي، ودعوة النبي الخاتم محمد الأمين عليه الصلاة والسلام.. لهذا كانت دائما مؤمنة موحدة مع إخناتون، وتهرب بدينها من بطش فرعون مع موسي في الصحاري سيناء، ومع عيسي في صحاري الغرب، ومع النبي محمد الخاتم لم تهرب فقد وجدت ما تبحث عنه فدافعت في حطين وعين جالوت والمنصورة ورشيد.. هذا هو شعب مصر.


