الأحد، 9 أغسطس 2009

مسلمة ومسيحي ..والإشكالية التي حَلْت

ربما كانت الاشكالية الدرامية التي ابرزها فيلم حسن ومرقص وقصة الحب المشتعلة بين ابن القس مرقص والشيخ حسن ،أحدثت شرخا اخلاقيا ودينيا ومجتمعيا وانتاج ظاهرة لم تكن يوما موجودة في شوارعنا المصرية الإسلامية، ولعلني في هذا الموقف اتذكر فيلم للفنان نور الشريف ظهر فيه كملحد متأثرا بالنزعة العقلية في السبعينات يحب بنت صديق أبيه المسيحي "تريز" ولكن المحرمات الاجتماعية حالت دون اتمام القصة الغرامية فتزوج من قريبة له وترهبنت تريز في الدير ،وفي نهاية الفيلم يتراجع عن عن الحاده ويتأكد من وجود الله عز وجل في مشهد دراماتيكي .

كنت أظن أن ما يتم تداوله في وسائل الإعلام عن حدوث مشادات طائفية نتيجة علاقات حب قد تصل للزواج بين مسيحية ومسلم ،أو أخري أسلمت لكي تتمكن من الزواج من حبيبها المسلم "ابو عيون جريئة" أمر مبالغ فيه ،ولكن مشاهدته علي مدار اسبوعين متتالين كنت أحاول أغض الطرف عنه بات أمر بشعا وغير مصدقا .

ورغم أني اسكن بحي أغلب سكانه من المسلمين الا أن جيراني الذين يجاورونا يسارا ويمينا مسيحيون معروف عنهم الهدوء وعدم إثارة المشاكل بل يتمتعون بحب المنطقة لبعدهم عن إثارة المشاكل كما ترتبط اسرتنا بهم علاقة مودة قائمة علي حسن "الجيرة".

ولكن مارأيته في الاسبوعين الآخرين عكس واقعا غريبا، وهجينا أخلاقيا ومجتمعيا لم يكن موجودا في مجتمعاتنا يوما من الايام ،حيث رأيت بنات جيراننا المسلمين -بعيدا عن التصنيف مسلمين ومسيحيين- بلغة الشارع "يشاغلون ابناء جيراننا المسيحيين" في البداية اعتقد أن الموضوع بسيط وأننا كجيران المودة لا تمنع الاشكال الاجتماعية الاعتيادية كالقاء السلام :”وصباح الخير ..ومساء الفل..وأشياء من هذا القبيل" ولكن الأمر لم يكن هكذا وللاسف .

وفي مشهد آخر اجد فتاة محجبة تلاطف الشاب المسيحي الذي يمتلك محلا لادوات النظافة بجوار بيتنا :” وتقولوه كفك ياجدع" أمر أذهلني وجعلني غير مصدق واقول في نفسي :” هو أيه اللي جري ..هو انا فين؟".

أنا لا أنكر أن جيراننا المسيحيين يشبهوننا كثيرا في العادات والتقاليد والاخلاق، ولا أنكر أقرب اصدقاء أخواي الاكبران مسيحيون ،كما أن اقرب اصدقائي في فترة الجيش كانو مسيحيين "بيشوي-روفائيل-مجدي" ولكن لا يعني ذلك ان نتخلي عن ديننا وثوابتنا، بالتأكيد اننا ابناء شعب واحد ولكن.

انا لا أنكر علي الشباب المسيحيين عليهم فعلهم ،فما رأيته كان بدايته عند بنات ديننا، الكلمات تهرب مني "مش عارف اقول ايه بجد ..الصدمة كبيرة.. وإن كان الحل في التربية الصحيحة علي مبادئ الإسلام وفق الضوابط المجتمعية التي اقرها ديننا".

الأحد، 2 أغسطس 2009

مؤسسية الجماعة و"هرتلة" النظام(1)


عادة مع تزايد الضغوط السياسية والحماقات الأمنية ضد جماعة الإخوان يتزايد الحديث عن خطط الجماعة في مواجهة تلك "العته" الحكومي ،ومع تزايد وقع تلك الضربات تتزايد اتهامات ابناء الحركة الإسلامية لقيادات الجماعة بالتباطؤ في رد الفعل ،ويصبح الحديث عن النهج السلمي المتدرج أمرا "رتيبا" بل ممقوتا في بعض الأحيان.

وقد يتبادر للأذهان في تلك اللحظة أن شباب الجماعة قد زهدوا في العمل السلمي المجتمعي المتدرج ،ولكن سرعان ماتنكشف الغمة فيتأكد للجميع أن ذلك المنهج هو الأفضل للتعامل مع البطش الأمني حتي وإن كلفهم ذلك حريتهم أو أموالهم أو أبعد من ذلك "حياتهم".

ولكن مع إعادة النظر للصورة بشكل أشمل وأوقع وبتفكيك الصورة إلي جزيئاتها الأولي ،نجد أن هناك أسباب قوية ساهمت في الحفاظ علي كيان الجماعة وهيكلها الضخم ليس فقط في مصر ولكن في أغلب الدول التي تتواجد بها الجماعة بقوة وفاعلية.

وبتجاوز وضعي الصومال والجزائر بالجماعة غير السويان ،نجد أن مبدأ المؤسسية رسخ مبادئ ومعاني داخل عقول وأذهان أبناء الحركة ،وأصبحت اللوائح ومبادئ الثواب والعقاب ،وفريق العمل ،والنظام الدقيق ،وقوة الاداء ،والليونة والمرونة العملية ،بالإضافة التطور الفكري المستمر لابناء المؤسسة الحركية هم الأساس العمل داخل الجماعة.

ولطالما كانت معاني الانضباط داخل الجماعة مرادفا لمعاني المؤسسية ، فلا نجد مثلا دولة أو شركة أو حتي سوق غربي ناجح الإ وإن كان مبدأ "المؤسسية" هو حاكم اواصر تلك الكيانات ،فكل فرد فيها يعلم حقوقه وواجباته والدور المنوط به ،مع حريته الكاملة في الانتقاد والنصح وايضا الابتكار وفق الإطار الواسع الذي تحدده أهداف المؤسسة التابع لها.

وبالتأكيد علي تعريف "المؤسسة" يقول خبراء الإدارة هي الوحدة هي كيان يقوم بتقديم خدمة ما ، وتعتمد أساليب إدارية من أجل تحقيق هدفها بالكفاءة والفاعلية المطلوبتين ، كما أنها لا تنشأ من فراغ، بل تتأثر بالبيئة التي تعمل فيها وتمدّها بالموارد، وهذه البيئة تضع عليها العديد من القيود في الوقت نفسه.

وتتكون المؤسسة عادة من الأفراد، والمجموعات، والتكنولوجيا، والهيكل التنظيمي الذي تمارس فيه بعض العمليات الإدارية: مثل التخطيط، والتنظيم، والتوجيه، والرقابة، والإتصال، واتخاذ القرار، والقيادة، وتتضمن العمليات التنظيمية تفاعل الأجزاء وتداخلها لتحقيق الأهداف ضمن بيئة أكبر، بعواملها السياسية والاقتصادية، والإجتماعية والحضارية المختلفة، ومن الطبيعي أن تؤثر التنظيمات في هذه البيئات وتتأثر بها إلى حد كبير.

والمتأمل في المشهد النبوي يري ان الرسول صلي الله عليه وسلم أرسي مبدأ المؤسسية كشكل إداري أعتمد من خلاله علي تشكيل مبادئ الدولة الإسلامية الاولي بالجزيرة العربية انطلاقا ولتسع العالم أجمع فيما بعد في عهد دولة الخلافة الراشدة ،ثم خلافة الامويين، والعباسيين، وانتهاء بالعثمانية.

والملاحظ أن قواعد الدولة المدنية التي تبناها الإسلام كان التصور الأكثر قبولا لدي الغرب ،عندما أراد أن يعيد صياغة دولته وحضارته العشوائية التي تمثلت أبشع صورها في العصور الوسطي ،في مقبل دولة زاهرة في اشرق أحدثت نقلة حضارية وفكرية وعلمية لم يكن لها نظير.

وعند الحديث عن مؤسسية الجماعة الأكبر والأكثر تأثيرا في مجريات السياسة المحلية والدولية يكون الحديث مختلفا ،والوقفات اكثر تأنيا ،لرصد تلك الحالة الفريدة سياسيا وتنظيميا وفكريا.

في تعريف جماعة الإخوان المسلمين في أدبيات الجماعة "هي مؤسسة إسلامية جامعة " ويؤكد الإمام البنا مؤسس الجماعة في رسالته "الإخوان تحت راية القرآن" :" طبيعة فكرتنـا أيها الإخوان المسلمون ... بل أيها الناس أجمعون ... لسنا حزباً سياسياً , وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا..ولسنا جمعية خيرية إصلاحية ، وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا..ولسنا فرقاً رياضية ، وإن كانت الرياضة البدنية والروحية من أهم وسائلنا..

لسنا شيئاً من هذه التشكيلات ، فإنها جميعاً تبررها غاية موضعية محدودة لمدة معدودة ، وقد لا يوحي بتأليفها إلا مجرد الرغبة في تأليف هيئة ، والتحلي بالألقاب الإدارية فيها، ولكننا أيها الناس : فكرة وعقيدة ، ونظام ومنهاج ، لا يحدده موضع , ولا يقيده جنس ، ولا يقف دونه حاجز جغرافي ، ولا ينتهي بأمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها , ذلك لأنه نظام رب العالمين ، ومنهاج رسوله الأمين ، نحن أيها الناس - ولا فخر-أصحاب رسول الله ، وحملة رايته من بعده ، ورافعو لوائه كما رفعوه ، وناشرو لوائه كما نشروه ، وحافظو قرآنه كما حفظوه ، والمبشرون بدعوته كما بشروا ، ورحمة الله للعالمين (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) (صّ:88).

وتلك الفكرة الفريدة التي عرضها الأستاذ البنا الشاملة لمعاني دوته الجديدة النابعة من تصوره لـ"كنه" الفكرة الإسلامية المعتدلة الصحيحة التي تبنتها الجماعة، وفي المقابل يظن البعض أن هناك حالة من التخبط الفكري تعاني منها الجماعي بين الدعوية والسياسية ،والإجتماعية في مقابل الاقتصادية ،ولكن المتأمل في حقيقة الفكرة التي يحملها الإخوان يجدها متينة قائمة علي المؤسسية يصعب اختراقها .

ورغم علانية التشكيلات الإدارية للجماعة تقف الأجهزة الامنية المتربصة بها ضعيفة وغير قادرة علي النيل من القواعد أو قيادات الصف الثاني والثالث وهكذا بالتوالي ، فمعلوم لدي الجميع أن التقسيمات الإدارية للجان والاقسام ،وكذلك الشكل التسلسل الهرمي للتشكيل الإداري
للجماعة ولكن تبقي العيون الامنية غير قادرة علي النيل من مقدرات الجماعة ،وتبقي تلك الضربات الامنية من الحين للآخر شعوائية تصب في النهاية لصالح الجماعة كما حادث من مهزلة "ناصر" الخمسينيات ومبارك في العقود الثلاث الأخيرة.

وبالتأكيد علي ذلك التصور تنطلق رؤية الجماعة تجاه المجتمع وأنظمة الحكم والدولة فيه من إيمانها المطلق بأنه ليس في الدنيا نظام يمد الأمة الناهضة بما تحتاج إليه من نظم وقواعد وعواطف ومشاعر كما يمد الإسلام بذلك كل أممه الناهضة.

و"يعتقد الإخوان المسلمون أن الله تبارك وتعالى حين أنزل القرآن وأمر عباده أن يتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم ورضي لهم الإسلام دينا، وضع في هذا الدين القويم كل الأصول والقواعد اللازمة لحياة الأمم ونهضتها وإسعادها، وذلك مصداق قول الله تبارك وتعالى: {الّذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} [الأعراف: 157] (رسالة إلى أي شيء ندعو الناس).

ولقد كون الإسلام بعطائه النظري والعملي على مرّ العصور ذاتية الأمة، وصاغ هويتها، وبنى أساسيات القوانين النفسية والعقلية والعملية فيها؛ فعلى أساسه تتحدد تلك القوانين تلقائيا، وفي ضمير الكثرة الكاثرة من أبناء هذه الأمة، تتضح معايير: الحق والباطل، والخير والشر، والحسن والقبيح.

ولقد أثبت التاريخ أن هذه المقومات النظرية التي جاء بها الإسلام أقامت دولا مدنية وحضارة إنسانية إسلامية مؤسسية أضاءت عصورا عديدة عرف فيها المسلمون دولة الحق والعدل والقانون وعاش خلالها غير المسلمين يتمتعون بالمساواة في الحقوق والوجبات وينعمون بحرية الاعتقاد، وشيّد المسلمون وغيرهم من مواطني دول الإسلام المتعددة بناء شامخا ترجم المعاني التي جاء بها الإسلام واقعا حيا لا يقلل من قيمته ما شابه من فترات مظلمة كانت دائما انحرافا عن قيم الإسلام من جانب بعض الحكام في مجالات الحياة المختلفة خاصة في مجال الشورى.