
كعادته سار في وسط القاهرة، متمتعاً بليلها الرائع، يقترب حيناً من ميدان التحرير ثم يبتعد، تخطو أقدامه باتجاه صينية الميدان "الكعكة الحجرية" يهوله مشهد العسكر، يبتعد، ثم يقترب، قدماه ساقته إلي مقهي البورصة إذ تجمع شباب الساسة، يطمئن علي الأحوال، فجأة لم يصدق ما رآه فمشير يسير في شارعه حاول جاهداً أن يلحق به لم يجد حراساً، لم يجد قناصة، لم يجد شيئاً، جاهداً واصل سعيه للحاق، أسئلة تدور بخلده، مفادها سؤال واحد يحاول استجماع تلابيبه، فوقت المشير ذو البدلة المدنية ليس متاحا للمسايرة والحديث.. سؤاله هو "لماذا سيادة المشير؟".
لم يصل، ولم يسأل، ولم يجد شيئاً، عاد سريعا لبيته يروي
قصة المشير "المدني"، فإذا بفضائية الدولة تذيع إنفرادها لمشهد المشير
سائراً، رأي نفسه في الإطار، هناك، يجري، يحاول الوصول، لكن لم يصل، تعليق الضيف والمحاور
أذهله، ما هذا؟، ماالذي تقولانه، هل بدا الأمر هكذا، هل التملق ومحاولة التسلق علي
أجساد الجرحي والشهداء يصل لتلك الدرجة من الانحطاط، سكت صديقنا هنيهة، وعزم أمره،
فتح حسابه علي المنتدي الاجتماعي "فيسبوك" قلقاً وقال "تسقط مدنية
البدلة".
كم كان متوقعاً صديقي ما صارت له الأمور مؤخرا، وربما
تسبب ذلك في أزمات له، فكم كان حاداَ في تعبيره عن قلقه من تصرفات، وقرارات المجلس
العسكري، وكم كانت تخوفاته تسبق أفكاره، وكم من موقع ومساحات للرأي رفضوا نشر
ماكانت تموج به نفسه من مخاوف.
الخوف، والقلق، والحذر ليست صفات صحفي أو كاتب رأي، حمّله
المولي عزوجل مسؤولية كلمة حق وإلا كان حكم المولي سابقا عليه "به
فابدأ"، وكم كنا في عهد المخلوع سواء عبر تحقيقاتنا أو حواراتنا، أو حتي عبر
صفحات مدوناتنا، و"فيسبوك، وتويتر" ننقده، بألذع كلمات النقد، وسخرية
سوداء، فضيحته هو ونظامه كان هدفا استراتيجيا، أما الآن فإذا بالكاتب أو الناشط،
مثل صديقنا هذا يعيد كتاباته أكثر من مرة لعلها تقع بين يدي "عسكري"
فيكون مصيره تحقيق ثم سجن دون نقض.
صديقي لم تنقطع اتصالاته بعدما شهد المشير سائراً،
وبعدما اضطلع علي قانون مجلسي الشعب والشوري، قال لي: محمد لم يعد الوقت متاحاً
لجلد الذات، هناك مسؤولية وطنية، ودماء شهداء، وآهات مصابين، ودموع أمهات وزوجات
ثكالي، محمد لم يعد الوقت يسمح بخلاف، محمد لم يعد الوقت متاحاً لاتهامات وتخوين،
الوطن أصبح علي المحك.. محمد.
صديقي اكمل: محمد أعد بذاكرتك للوراء قريباً فنماذج سرقة
الثورة وتراجعها كثيرة، معالمها بدت في الأفق منذ فترة، محمد البعض حاول إقناع
نفسه إنها أحاديث شياطين، ولكن المعالم واضحة فعلا، ليست خافية علي الجميع، محمد
إنها بدأت مع الإبقاء علي الفريق شفيق، ووزير داخليته محمود وجدي، والإبقاء علي
المخلوع في شرم الشيخ، وفي الإبقاء علي جهاز أمن الدولة المنحل، وبقاء مجالس محلية
مزورة وفاسدة، مرورا بإعلام مضلل، وباعتقال نشطاء، وبمحاكمات عسكرية، وإنفلات أمني
متعمد، ورفض العزل السياسي لرموز الوطني المنحل، وتفعيل الطوارئ التي سقطت بسقوط
الخلوع، وليس بمدة حددها إعلان دستوري من العسكر، وبشهادة المشير التي تم تسريبها
في قضية المخلوع المتهم فيها بقتل إخواننا الثوار، وقانون مجلسي الشعب والشوري
الأخير، النتيجة واضحة ياعزيزي محمد.
لم أُخفه سراً أني مثله أعاني، فكم كان يقلقني أيضا
الصمت الأمريكي، وزيارات الاقتصاديين الغربيين والأمريكيين، وكذلك العسكريين،
الأمر بدا لي مقلقاً للغاية، الكيان الصهيوني أصبح أكثر وداعة، تُقتحم سفارته،
ويُهرب رجاله ودبلوماسيه وفي النهاية يندد، ومعه باراك أوباما، أري شهداء مصريين
علي الحدود ولا حراك، وفلول تعود ولا صوت هنا يندد أو صوت هناك يحذر.
صديقي استدرك نفسه، وقال إخفض صوتك، ولاتنشر حديثنا،
فـ"الأمر مايسلمش، الحيطان لها ودان"، سخطي كان عارما عليه، قلت له: لم
أرك هكذا أيام المخلوع، كم كنت جريئاً، لاتخشي في الحق لومة لاءم، جوابه كان صادماً،
أخي محمد كنا ننقد ونثور، ومسارنا السلمي ونضالنا الدستوري كان واضحاً، والتعامل
الأمني لأعوان المخلوع كذلك كان واضحا، أما الآن بات مختلفا، فالأمر لم يعد
كالسابق، فإني أشم رائحة الخمسينيات تعود من جديد.
سكتنا طويلا، استرجعت الذكريات، وكذلك صديقي، ولكنه
تركني وسار باتجاه مسجده يصلي، لم يغب طويلاً عاد مهرولاً، صارخاً.. الساكت عن
الحق شيطاناً أخرس، هاتكلم.. لن يقول ربي به فابدأوا... وانتهي
