الأربعاء، 28 سبتمبر 2011

أنا وصديقي والمخلوع والمشير



كعادته سار في وسط القاهرة، متمتعاً بليلها الرائع، يقترب حيناً من ميدان التحرير ثم يبتعد، تخطو أقدامه باتجاه صينية الميدان "الكعكة الحجرية" يهوله مشهد العسكر، يبتعد، ثم يقترب، قدماه ساقته إلي مقهي البورصة إذ تجمع شباب الساسة، يطمئن علي الأحوال، فجأة لم يصدق ما رآه فمشير يسير في شارعه حاول جاهداً أن يلحق به لم يجد حراساً، لم يجد قناصة، لم يجد شيئاً، جاهداً واصل سعيه للحاق، أسئلة تدور بخلده، مفادها سؤال واحد يحاول استجماع تلابيبه، فوقت المشير ذو البدلة المدنية ليس متاحا للمسايرة والحديث.. سؤاله هو "لماذا سيادة المشير؟".
لم يصل، ولم يسأل، ولم يجد شيئاً، عاد سريعا لبيته يروي قصة المشير "المدني"، فإذا بفضائية الدولة تذيع إنفرادها لمشهد المشير سائراً، رأي نفسه في الإطار، هناك، يجري، يحاول الوصول، لكن لم يصل، تعليق الضيف والمحاور أذهله، ما هذا؟، ماالذي تقولانه، هل بدا الأمر هكذا، هل التملق ومحاولة التسلق علي أجساد الجرحي والشهداء يصل لتلك الدرجة من الانحطاط، سكت صديقنا هنيهة، وعزم أمره، فتح حسابه علي المنتدي الاجتماعي "فيسبوك" قلقاً وقال "تسقط مدنية البدلة".
كم كان متوقعاً صديقي ما صارت له الأمور مؤخرا، وربما تسبب ذلك في أزمات له، فكم كان حاداَ في تعبيره عن قلقه من تصرفات، وقرارات المجلس العسكري، وكم كانت تخوفاته تسبق أفكاره، وكم من موقع ومساحات للرأي رفضوا نشر ماكانت تموج به نفسه من مخاوف.
الخوف، والقلق، والحذر ليست صفات صحفي أو كاتب رأي، حمّله المولي عزوجل مسؤولية كلمة حق وإلا كان حكم المولي سابقا عليه "به فابدأ"، وكم كنا في عهد المخلوع سواء عبر تحقيقاتنا أو حواراتنا، أو حتي عبر صفحات مدوناتنا، و"فيسبوك، وتويتر" ننقده، بألذع كلمات النقد، وسخرية سوداء، فضيحته هو ونظامه كان هدفا استراتيجيا، أما الآن فإذا بالكاتب أو الناشط، مثل صديقنا هذا يعيد كتاباته أكثر من مرة لعلها تقع بين يدي "عسكري" فيكون مصيره تحقيق ثم سجن دون نقض.
صديقي لم تنقطع اتصالاته بعدما شهد المشير سائراً، وبعدما اضطلع علي قانون مجلسي الشعب والشوري، قال لي: محمد لم يعد الوقت متاحاً لجلد الذات، هناك مسؤولية وطنية، ودماء شهداء، وآهات مصابين، ودموع أمهات وزوجات ثكالي، محمد لم يعد الوقت يسمح بخلاف، محمد لم يعد الوقت متاحاً لاتهامات وتخوين، الوطن أصبح علي المحك.. محمد.
صديقي اكمل: محمد أعد بذاكرتك للوراء قريباً فنماذج سرقة الثورة وتراجعها كثيرة، معالمها بدت في الأفق منذ فترة، محمد البعض حاول إقناع نفسه إنها أحاديث شياطين، ولكن المعالم واضحة فعلا، ليست خافية علي الجميع، محمد إنها بدأت مع الإبقاء علي الفريق شفيق، ووزير داخليته محمود وجدي، والإبقاء علي المخلوع في شرم الشيخ، وفي الإبقاء علي جهاز أمن الدولة المنحل، وبقاء مجالس محلية مزورة وفاسدة، مرورا بإعلام مضلل، وباعتقال نشطاء، وبمحاكمات عسكرية، وإنفلات أمني متعمد، ورفض العزل السياسي لرموز الوطني المنحل، وتفعيل الطوارئ التي سقطت بسقوط الخلوع، وليس بمدة حددها إعلان دستوري من العسكر، وبشهادة المشير التي تم تسريبها في قضية المخلوع المتهم فيها بقتل إخواننا الثوار، وقانون مجلسي الشعب والشوري الأخير، النتيجة واضحة ياعزيزي محمد.
لم أُخفه سراً أني مثله أعاني، فكم كان يقلقني أيضا الصمت الأمريكي، وزيارات الاقتصاديين الغربيين والأمريكيين، وكذلك العسكريين، الأمر بدا لي مقلقاً للغاية، الكيان الصهيوني أصبح أكثر وداعة، تُقتحم سفارته، ويُهرب رجاله ودبلوماسيه وفي النهاية يندد، ومعه باراك أوباما، أري شهداء مصريين علي الحدود ولا حراك، وفلول تعود ولا صوت هنا يندد أو صوت هناك يحذر.
صديقي استدرك نفسه، وقال إخفض صوتك، ولاتنشر حديثنا، فـ"الأمر مايسلمش، الحيطان لها ودان"، سخطي كان عارما عليه، قلت له: لم أرك هكذا أيام المخلوع، كم كنت جريئاً، لاتخشي في الحق لومة لاءم، جوابه كان صادماً، أخي محمد كنا ننقد ونثور، ومسارنا السلمي ونضالنا الدستوري كان واضحاً، والتعامل الأمني لأعوان المخلوع كذلك كان واضحا، أما الآن بات مختلفا، فالأمر لم يعد كالسابق، فإني أشم رائحة الخمسينيات تعود من جديد.
سكتنا طويلا، استرجعت الذكريات، وكذلك صديقي، ولكنه تركني وسار باتجاه مسجده يصلي، لم يغب طويلاً عاد مهرولاً، صارخاً.. الساكت عن الحق شيطاناً أخرس، هاتكلم.. لن يقول ربي به فابدأوا... وانتهي




الجمعة، 9 سبتمبر 2011

الساكت عن الحق

ليست رؤية تحليلية. أو نظرة هادئة للأحداث الجارية. هي خاطرة لصحفي شاب من الإخوان، عاني مع إخوانه، وأبناء شعبه مرارة الظلم والقهر، خطت قدماه مبني جابر بن حيان العتيد وهو في مقتبل عمره "17 عاما" والتهمة "حب مصر"، ومعه العشرات من الشباب أمثاله، لم تكن سطوة الأمن حينها ترهبنا، أوتعذيب زبانية الدنيا يخفينا، نضطر إلي تغيير أسمائنا، وعمل إسم شهرة، نكتب أسماء إخواننا علي الهاتف النقال بغير أسمائهم خوف عليهم في حال القبض علينا، نذهب إلي لقاءاتنا متلفتين يمينا ويسارا، نجلس ونستفتح بآيات الذكر الحكيم، ونعدد نوايانا فلا نجد غير الموالي عز وجل والوطن والجنة هدف نستحق أن نموت من أجله.

هو القلق الذي يسيطر علينا نحن الشباب، حديث متكرر عن تكرار محنة 1954، وعودة حكم العسكر، ويساورنا القلق أيضا أن الجميع سيتخلي عننا، فالإخوان الجماعة الأكثر قدرة علي الحشد، والتأثير وقلب الكفة، وصاحبة المنهج الراسخ، لن تكون عزيزة علي نخبة تري فكرة الإخوان الوسطية العائق الوحيد أمامها، وشرفاء قليلون لن يستطيعوا أن يقفوا أمام تجبر سلطة عسكرية، أو بيدها تحريك سلطة العسكر، وبالتأكيد إسرائيل وأمريكا والقوي الاستعمارية لن تجد أفضل من هذه فرصة للقضاء علي المد الإسلامي الوسطي بقيادة الإخوان، ولإرسال رسالة للجميع مفادها "لا تغيير".

ثورة يناير قلبت موازين القوي، فغابت قوي وحضرت أخري، وبقيت "الإخوان" هي الأكثر حضورا، القوي العلمانية والليبرالية وضعها بات مكشوفا سواء في نتيجة الاستفتاء علي التعديلات الدستورية في مارس الماضي، أو في مليونيات أول أبريل، و 27 مايو، أو حتي ما ستسفر عنه مليونية 9 سبتمبر الجاري.

مجمل حالات القلق، ليست في وجهة نظري من تلك القوي العلمانية والليبرالية، التي تعاني رفضا شعبيا، فالغرب والولايات المتحدة لاتري تلك القوي أنها ستكون قادرة علي مسك زمام الأمور سواء جاءت عبر انتخابات "نزيهة أو مزورة"، والإسلاميون، والإخوان بشكل خاص لديهم مشروع إصلاحي رافض للقوي الاستعمارية والكيان الصهيوني وبالتالي لن يتم الرضاء بهم، فالحل الوحيد هو اللجوء إلي سلطة لها بعض الرصيد لدي الشعب، هي الجيش، ولابد من طرف يعاونه تلك المؤسسة، فمن يقدم "السي في" سيكون الناجح بالتأكيد.

الشكل الذي تسير به خطوات الفترة الانتقالية، وانفراد المجلس العسكري بالقرارات والقوانين، والاستماع إلي "المساعد الظاهر" من القوي الليبرالية والعلمانية، وتجاوز الشعب، والقوي والوطنية والسياسية التي نصبته حارسا للثورة، ليس هذا فقط سكوته عن قرارات من شأنها تهدئة النفوس علي شهدائنا علي الحدود مع فلسطين المحتلة برصاص الغدر الصهيوني، وصمتها حيال مايحدث في سوريا، والسودان، واستمرار حالة الميوعة السياسة والاقتصادية، وحكومة "متدهورة"، وانتخابات تؤجل، ومحاكمات عسكرية ضد نشطاء، بل بات الناشطون يحذرون بعضهم البعض من بعض تعليقاتهم علي "الفيس بوك والتويتر".. والمحصلة تقول "إحذر الثورة تضيع".

الأخطر و"المساعد الثاني" للحاكم الجديد، هي أحزاب فلول الوطني المنحل، التي توارت كثيرا، خائفة من قانون الغدر، ولكن الذي اختفي هو القانون، البعض تعاطف مع الفلول وتحدث عن حقهم في ممارسة الحياة السياسية، رغم أن هؤلاء هم من فسدوا وضغوا وسرقوا نهبوا وزورا، فكانت النتيجة ثمانية أحزاب "مفللة" هم  "حزب الحرية"، ومؤسسه معتز محمد محمود أمين عام الحزب الوطني بقنا، و"حزب المواطن المصري" ومن أعضائه و مؤسسيه: صلاح حسب الله احد كوادر الحزب الوطني بالقليوبية، و محمد رجب الأمين العام السابق للحزب الوطني، ومحمد محمود عبدالرحمن، أمين الحزب الوطنى بالدقهلية ، و حمدي السيد نقيب الأطباء، و اللواء حازم حمادى بسوهاج، وأحمد مهنى أحد قيادات الحزب الوطنى بالإسكندرية، و"حزب البداية"، و"حزب نهضة مصر الديمقراطي" ومؤسسه أحمد أبو النظر أحد كوادر الحزب الوطني بالإسكندرية، و"حزب مصر الحديثة" ومؤسسه نبيل دعبس صاحب جامعة مصر الحديثة ووالد وليد دعبس رئيس قنوات، و"حزب مصر القومي" مؤسسه طلعت السادات رئيس الحزب الوطني الجديد قبل أن يتم حل الحزب نهائياً، ويعاونه توفيق عكاشة رئيس قناة الفراعين الفضائية، و"حزب مصر النهضة" ومؤسسه حسام بدراوي الأمين العام للحزب الوطني سابقاً ، و"حزب مصر التنمية" ورئيسته أيمن الحماقي عضو الأمانة العامة بالحزب الوطني المنحل.

خاطرتي قد تكون مرتبكة، حالها مثل ارتباك المصريين، ولكن أغلب الظن أن الخريطة المصرية من الداخل ببساطة باتت أركانها واضحة وهي "شعب- إخوان- إسلاميون- علمانيون- فلول- مجلس عسكري"، الرهان الحقيقي هو من يجاهد لكسب التعاطف والتأييد الشعبي، ولكن الشعب نفسه بات في ظل الواقع الحالي مرتبكا هو الآخر، يصدق الإخوان، ويخاف الإسلاميين، ويسمع العلمانيين في القنوات الفضائية، ويخاف ارتباطهم بالغرب، يكره الفلول ويحتاج إلي أموالهم الغزيرة، يحن إلي الجيش ويخشي الديكتاتورية. إطالة الفترة الانتقالية هي السبب وراء كل تلك الحالة ، وعليه فإجراء الانتخابات النزيهة بسرعة، وإنشاء محاكم استثنائية، وفتح تحقيقات جديدة ضد المخلوع ورجاله ، ومجئ حكومة وطنية من الشعب، وعودة الجيش إلي ثكناته لحماية الوطن هو الحل الطبيعي، وأغلب ظني أنه في حالة استمرار ذلك الضغط النفسي علي الشارع سيكون الانفجار وحينها سيحدث مالايحمد عقباه.