الاثنين، 10 مارس 2014

هل "كفر الإخوان" بالمجتمع"؟!


قديما قال مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا في رسالته "دعوتنا" : "ونحب أن يعلم قومنا أنهم احب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداء لعزتهم إن كان فيها 
الفداء، و أن تزهق ثمنا لمجدهم و كرامتهم و دينهم و آمالهم إن كان فيها الغناء". ويظل السؤال مطروحا هل الإخوان مصرون على هذا الطرح الذي أسسه مؤسس جماعتهم. وهل الإخوان المصريين مازالوا يحملون هذا الحب لباقي أبناء الشعب في ظل انقلاب عسكري أحدث هوة سحيقة في تلك العلاقة المتبادلة بين الطرفين - إن جاز وصفهما بطرفين-.
الإخوان كجماعة بدأت من أكثر ثمانين عاماً، وتحديدا منتصف العقد الثاني من القرن الماضي. وكان التواصل الشعبي هو الأساس الذي بنى عليه مؤسس الجماعة حسن البنا فكرة وفلسفة الجماعة باعتبارها جماعة تحمل فكرة اجتماعية فلسفية دينية. تقوم على جمع الناس والتواصل معهم تهتم بالفرد باعتباره المكون الرئيس لأي مجتمع ثم تنطلق للأسرة ومنها للمجتمع ومن ثم للحكومة والدولة باعتبارها وسيلة لتحقيق الغاية الفلسفية الدينية بأن يكون الإسلام كدين وفكرة وأفرادا حاكمين ومرجعية علمية وسياسية وفكرية لهذا العالم وهو ما يسمونه لديهم "باستاذية العالم".
وربما كانت الأزمة الحقيقة التي كانت تواجه الأنظمة المناوئة للإخوان هو تلك الفلسفة الاجتماعية التي بنى الإخوان فكرتهم عليها والتي تعتمد على المباشرة ومواجهة الجماهير والتعايش معهم وبالتالي يكون هناك تقاربا واستمالة للمجتمع تجاههم. فكانت تلك الهجمة التي مارستها الأنظمة تجاه الإخوان وتركزت في نقطة أساسية "إبعادهم عن الجماهير" وكان في ذلك وسائل متعددة.
وسائل إبعاد الإخوان عن المجتمع كان له طرق تقليدية ونمطين أساسيين إثنين. الطرق التقليدية مثل الاعتقال وتغييبهم في السجون ومصادرة الأموال والمطادرة الأمنية والتضييق في الأرزاق وصولا للقتل خارج إطار القانون وداخله وهو ماتعرض له مؤسس الجماعة نفسه عندما قتلته قوى تنتمي لحكومة القصر الملكي المتعاونة مع المحتل الانجليزي في أواخر أربعينيات القرن الماضي.
النمطان الأساسيان اللذان تعاملت بهما الحكومات في إبعاد الإخوان عن المجتمع ينطلقان من نمط شيطنة الإخوان ونمط وسلامة نية الإخوان. تفسيرا لهذين النمطين. الحكومات عادة تريد أن تكسب المجموعات الشعبية وترى أن الحركات الشعبية التي لها طابع فلسفي وخصوصا التي تحمل فلسفية دينية واجتماعية وتمارس عملها التكافلي من تنمية للمجتمعات الفقيرة وتقديم الإعانات وتمارس دورا تنويريا حتى وإن كان بشكل غير كامل ترى الحكومات أن تلك الحركات تمثل خطرا ومنافسا لها في الحكم وبالفعل الإخوان لديها مشروع سياسي وهي أعلنت عن ذلك منذ البداية "سواء اختلفنا أو اتفقنا حول هذا المشروع".
ولأن الحكومات المرتبطة بالاحتلال قبل الجلاء أو الحكومات المرتبطة بالعسكر عقب عزل الملك في يوليو 1952 رأت في الإخوان منافسا قويا لها على السلطة رأت أن الطريق الأسلم لها هو التخلص منها بشيطنتها ووصمها وقادتها بالعنف ومعادة الدولة ككيان يحلم المصريون به. والعمل على طبيعة العقل الجمعي المصري الذي يهمه العيش ثم العيش وأن هناك إمكانية أن تقوم الدولة وبواجبها في كفايته المادية أو بصورة بطل شعبي يقود الدولة ويحقق النصر على العدو. حتى وإن كان العدو هذا طرفا مصرياً تربطه علاقات اجتماعية مع المجتمع ولكن السلطة وبطلها نجح في شيطنة هذا الفصيل ومن ثم يحاربه برضا شعبي.
وهذا النمط لايمكن أن ينجح دون أن يكون الطرف الثاني ساذجا اجتماعيا وعليه فإن النمط الثاني من إبعاد الإخوان مجتمعيا هو حالة الصدمة التي تواجه أفراد التنظيم من هذا "الجحود" المجتمعي. فأفراد الجماعة يرون أنهم قدموا لهؤلاء البسطاء ولهذا الشعب مالم يقدمه أحد.
فالجماعة وأفرادها وطبقا لهيكلها التنظيمي تشتمل على كيانات هدفها التواصل والخدمة المجتمعية تعني بتنمية الفقراء وتقدم العون المالي والتربوي، ويقوم أفرراد الجماع باقتطاع جزء من رواتبهم لهذا الغرض، وكذلك اقتطاع حزء من أوقاتهم لتقديم تلك الخدمات، وعليه فإن الإخوان يتعرضون لصدمة عنيفة جراء هذا "الجحود" مقابل وعود لايمكن أن تقدمها لهم السلطة دون تضافر وتناسق مجتمعي في ظل حياة سياسية واقتصادية سليمة.
في كتاب "الإخوان المسلمون والمجتمع المصري" ل محمد شوقى زكى يقول فيما أسماه الفلسفة الاجتماعية للإخوان :- الناحية الاجتماعية هى الهدف الأسمى والغاية العظمى فى دعوة الإخوان . فهى دعوة اجتماعية أولا وقبل كل شئ ، ترمى إلى إصلاح المجتمع أفرادا ، وأسرا ، وشعوبا وحكومات . وتحاول أن تعاون هؤلاء جميعا بأن تقدم لهم النظام الإصلاحى فى كل شأن من شئونهم كما يراه الاسلام . وكما يعتقد الإخوان أنه أحسن الحلول لمشاكل الأفراد والجماعات والأمم والحكومات . ولذلك نستطيع أن نقول إن فلسفتهم الاجتماعية إنسانية إصلاحية
ويزيد مؤلف الكتاب في تفصيل الفلسفة الاجتماعية للإخوان بقوله : قد يعجب الكثيرون إذا أراد إنسان أن يتحدث عن نشاط الإخوان الاجتماعى ، وذلك لأن الإخوان لا يهمون بالدعاية لأعمالهم - أولا ، ولحملات التشهير الواسعة التى شنتها الحكومات السابقة ضدهم - ثانيا . إلا أن الحقيقة الواقعة ، هى أن نشاط الإخوان الاجتماعى قد بدأ منذ نشأتهم . وقد سبقت الإشارة فى الجزء التاريخى إلى شئ من ذلك . كما أن قانون الإخوان الاسلامى قد نص على أن من غايات الإخوان : " تحقيق العدالة الاجتماعية ، والتأمين الاجتماعى لكل مواطن ، والمساهمة فى الخدمة الشعبية ، ومكافحة الجهل والمرض والفقر والرذيلة ، وتشجيع أعمال البر والخير"، وهذا الذي قدمه ومارسه الإخوان منذ نشأة الجماعة وحتى 25 يناير 2011 من إعانات نقدية وحقائب الخير الغذائية "رمضان والمناسبات" ومعارض الملابس المستعملة والدروس التعليمية الخصوصية وغيرها.
ولعل أقرب مثال على ذلك العمل الخدمي للإخوان هو ما ظهر في صورة حملة خدمية باسم "معا نبني مصر" دشنت في الذكرى الثانية لثورة يناير عام 2013. وبحسب أرقام صادرة من الإخوان وحزبها الحرية والعدالة نجحت الحملة خلال شهر في تنفيذ 2039 قافلة طبية مجانية خدمت 627.000 مواطن، و1635 سوق تعاوني استفاد منها 874.033 مواطن، و257 قافلة حرفية استفاد منها 30.726 مواطن، وترميم 1712 مدرسة.. وزراعة 215.665 شجرة، وتنظيم 827 حملة نظافة.. و262 قافلة بيطرية عالجت 76.805 ألف رأس ماشية.
المكون الخدمي والجهد المالي والبدني الذي بذله الإخوان قبل ثورة يناير وبعدها تعامل معه الإخوان دون دعاية وتسويق سياسي ومجتمعي جيد فكان مصيره الانكار من معارضيها وحصول القطاعات الشعبية على تلك الخدمة دون حفظ الجميل للجماعة، وهو الأمر الذي أحدث فجوة عميقة بين الإخوان وقطاعات البسطاء وأنصاف المتعلمين خصوصا أبناء الحضر في العاصمة وتوابعها والدلتا على عكس ابناء الصعيد والمحافظات الحدودية.
أزمة الإخوان أنهم لم يفهموا المجتمع المصري وتطوراته وبنيته وتشوهاته، وعاشوا داخل تكتلاتهم التنظيمية برؤية متصالحة مع مجتمع أكد معظم دارسي ومتخصصي علم الاجتماع أنه مجتمع مشوه، وأن سماته الفكرية ليست بهذا النضج الذي بدت معه مجتمعات أكثر تطوراً في المجتمعات الديمقراطية، تلك المجتمعات التي تحمي الحركات والتنظيمات التي تدافع عنها أو تقوم بدور خدمي من أجلها أو على الأقل تقدم لها خدمة من أجل الوصول لهدف سياسي وهو أمر مقبول في الديمقراطية. فالأحزاب والجماعات تعمل من أجل حصولها على ثقة المصوتين وبالتالي تصل للسلطة وتعمل أكثر من أجل أن تستمر أكثر في السلطة، والقوى المعارضة للسلطة تعمل على تقديم خدمات أكثر للمصوتين من الشعب بحيث تميل لها الجماهير ومن ثم تصل بدورها للسلطة وتقدم أكثر حتى تستمر أكثر في السلطة. هي لعبة الديمقراطية والانحياز لرضا المواطنين.
ولعل الصدمة الكبرى للإخوان تلك التي تجلت عقب الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو 2013، وحالة الفصل الدائمة والمستمرة التي عملت السلطات الحاكمة على تنفيذها بشيطنة الإخوان وتلبيسهم كل معاني وأشكال شخصية ممارس العنف والإرهاب، ودفع فصائل ومجموعات شعبية على الاعتداء اللفظي والبدني على الإخوان وتجمعاتهم، بل والعمل على التشفي من الإخوان وفي قتلاهم في الاعتصامات والتظاهرات، وواصلت السلطة في الشيطنة وسخرت وسائل الإعلام المسموعة والمرئية ومجموعات الاختراق الشعبي في التنظيمات الأمنية "مخابرات وتحريات عسكرية وشرطية" في دفع المواطنين بأن يكونوا طرفا في الصراع السياسي ومن ثم رأينا استاذا يبلغ عن طالب في مدرسته وزوج عن زوجته وجار عن جاره وزميل عن زميله في عمله، ووصلت للحديث عن "إنتوا شعب وإحنا شعب لينا رب وليكو رب".
البعض يرى أن تلك الصدمة لدى الإخوان جعلتهم يكرهون هذا المجتمع الذي يعد في وجهة نظره "ميستهلش النضال من أجله" ويتجلي هذا في الهتاف الذي يردده مؤيدو الشرعية الدستورية في الشوارع "مش هانعيش عبيد علشنكوا.. الشهادة للشهيد والبيادة للعبيد"، والبعد عن المناسبات العائلية والتفكير في السفر والهجرة وتجنب الحديث مع الأقارب والزملاء.
ولكن آخرون يقولون إن الإخوان وعقب مجزرة فض رابعة العدوية بأكثر من ستة أشهر أعادوا تقييم موقفهم بشكل مبدأي بحيث أنهم في ظل هذا السخط على هؤلاء العنصريون من المجتمع الذى رضى بتلك المذابح إلا أنهم يرون أنه لايمكن استمرار حالة العزلة تلك وأنه عليهم أن يعيدوا التواصل مرة أخري مع المجتمع ولكن بمحددات جديدة أهمها على الإطلاق احترام الإنسانية المهدرة على عتبة الانقلاب، ورغم أن هذا ثقيل على قلب الإخوان إلا أنهم بدأوا في التعاطي معه بشكل من التطور ويظهر ذلك في تظاهراتهم المؤيدة للشرعية الدستورية وفي الهتافات التي يرددونها مثل "الكهربا قاطعة ليه راحت غزة والا إيه.. الكهربا قاطعة ليه مرسي رجع والا إيه" - في إشارة لأزمة الكهرباء والمقارنة بين رد فعل المواطنين إبان حكم الرئيس مرسي وحكم المجلس العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي - وهتاف "مش هانعيش عبيد علشنكوا هانحرركوا غصب عنكوا" "قالوا السيسي هايحل الأزمة طالع خاين ومالوش لازمة" ويبدو في تلك الهتافات وكأنهن يطرحون اسئلة استنكارية على المستمعين لهم في الشوارع والمنازل.
هذا التطور في نوعية الهتافات التي تعد وسيلة تواصل مع جموع المصريين الذين يشهدون تظاهرات مؤيدي الشرعية الدستورية في شرفات المنازل وفي الشوارع ووسائل المواصلات هذا التطور يعكس رغبة الإخوان في الخروج من العزلة التي فرضها النظام القمعي للعسكر والعزلة التي فرضها الإخوان على أنفسهم للحفاظ على أنفسهم.
الأمر تطور أكثر بالحديث عن ضرورة استمرار الفعاليات والتظاهرات، وكذلك العودة لمجموعات ودوائر التواصل لأفراد الإخوان من أقارب وأصدقاء وزملاء عمل، خصوصا في ظل تلك الحالة المهترئة التي أصبحت فيها سلطات الانقلاب باستمرار الأزمات السياسية والاقتصادية بل ووصولها لمرحلة تدهور شديدة لمسها المصريين.
ربما هناك مجموعات من الإخوان ترى أن هذا المجتمع غير صالح للعيش فيه والتواصل مع أفراده للأسباب السالفة الذكر، بما يعني أنهم كفروا بهذا المجتمع وإنسانيته وصلاحيته، بينما آخرون قرروا أن يتركوا الباب "موآربا" وأن يتم التواصل مع من لديه بواقي "إنسانية" وأن تلك الكتلة "الإنسانية" مهما كان حجمها فهي نواة مجتمع صالح للعيش يستطيع التغيير في ظل الطرقات المستمرة من التظاهرات والتفاعل المناهض للانقلاب وفي ظل الانهيار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
السؤال هنا هل يستطيع الإخوان كسر هذا الحاجز النفسي مع المجتمع، والتغلب على آثار العدوانية والعنصرية التي تلت الانقلاب والمستمرة، أم الانقلاب وسلطاته ستعمل على تعميق هذا الانقلاب بشيطنة الإخوان أكثر ودفعهم لمسار جديد، بحملة إعدامات وأحكام جائرة ضد قياداتها وأفرادها ودعم العدائية المجتمعية ضدهم، هذا ما سيحدده الإخوان وقدرتهم النفسية على مواجهة تلك الأمور.
وعلى الإخوان أن يعيدوا النظر في كتبه مؤسس جماعتهم وهل سيكون ما كتبه مدعاة للانعزال أكثر أم سيكون دافعا لمزيد من التحمل والسعي لإيجاد تلك المجموعة الإنسانية التي تشترك مع الإخوان وغيرهم في مبادئ إنسانية "( أحبُّ أن أصارحكم ، إنَّ دعوتكم لازالت مجهولة عند كثير من الناس ، ويوم يعرفونها ، ويدركون مراميها ، وأهدافها ، ستلقى منهم خصومة شديدة ، وعداوة قاسية ، وستجدون أمامكم الكثير من المشقّات ، وستعترضكم كثير من العقبات ، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات ، أما الآن فلازلتم مجهولين ، ولازلتم تمهّدون للدعوة ، وتستعدّون لما تتطلبه من كفاح ، وجهاد ، سيقف جهلة الشعب بحقيقة الإسلام ، عقبة في طريقكم ، وستجدون من أهل التدين ، ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام ، وينكر عليكم جهادكم في سبيله ، وسيحقد عليكم الرؤساء ، والزعماء ، وذوو الجاه و السلطان ، وستقف في وجهكم كلُّ الحكومات على السواء ، وستحاول كلُّ حكومة أن تحـدّ من نشاطكم ، وأن تضع العراقيل في طريقكم ، وسيتذرَّع الغاصبون بكلّ طريق لمناهضتكم ، وإطفاء نور دعوتكم ، وسيستعينون من أجل ذلك بالحكومات الضعيفة ، والأخلاق الضعيفة ، والأيدي الممتدّة إليهم بالسؤال ، وعليكم بالإساءة ، والعدوان ، ويثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات ، وظلم الاتهّامات ، وسيحاولون أن يلصقوا بكم كلّ نقيصة ، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة ، معتمدين على قوتهم وسلطانهم ، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ، ولو كره الكافرون ) ، وستدخلون بذلك _ ولاشك _ في دور التجربة والامتحان ، فتسجنون ، وتعتقلون ، وتقتلون ، وتشرَّدون ، وتُصادر مصالحكم ، وتعطل أعمالكم ، وتفتش بيوتكم ، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان : ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايفتنون ).
أزمة المجتمع المصري باتت أعمق عن ذي قبل. فنحن لسنا أمام تفكك للمجتمع بقدر ما هو تشوه شديد السوء ولعل المفكر المصري جمال حمدان في موسعته "شخصية مصر" فسر تلك الحالة بصيغة قريبة فيقول: ومهما اختلفت التسميات بين الطغيان الفرعوني أو الاقطاعي، وسواءً عُدَّ هذا اقطاعاً عادياً بنمطه المعروف، أو عُدَّ قمته أعتى صورة كما يرى الكثيرون، وأياً كانت النظريات المطروحة، فإن الطغيان والاستبداد الغاشم هو من أسفٍ حقيقة واقعة في مصر، من بدايته اليوم مهما تبدلت أو تعصرت الواجهات والشكليات. وسواءً كانت مصر أم الدنيا أو أم الديكتاتورية – هي النقطة السوداء والشوهاء – في شخصية مصر بلا استثناء، هي منبع كل السلبيات والشوائب المتوغلة في الشخصية المصرية حتى اللحظة، ليس على مستوى المجتمع فحسب بل والفرد أيضاً، لا في الداخل ولكن في الخارج كذلك. ثم يقول: لقد تغيرت مصر الحديثة في جميع جوانب حياتها المادية واللامادية بدرجات متفاوتة، إلا نظام الحكم الاستبدادي المطلق بالتحديد والفرعونية السياسية وحدها، فهي ما تزال تعيش بين (أو فوق؟) ظهرانينا بكل ثقلها وعتوها، وإن تنكرت في صيغة شكلية ملفقة هي الديموقراطية الشرقية، أو بالأحرى (الديموكتاتورية). والمؤكد أن مصر المعاصرة لن تتغير جذرياً ولن تتطور الى دولة عصرية وشعب حر، إلا حين تدفن الفرعونية السياسية مع آخر بقايا الحضارة الفرعونية الميتة.
ـــــــــــــــــــــــ
محمد سعيد
صحفي مصري 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق