ببساطة وبدون الدخول في
مقدمات نتائجها معروفة سلفا، نعم جماعة الإخوان المسلمين باتت في موقف تحسد عليه،
فبعد تسريبات مصادر من داخل الجماعة تفيد بعدم قبول المستشار حسام الغرياني رئيس
المجلس الأعلي للقضاء بقبول دعم الجماعة ورفضه فكرة الترشح علي مقعد الرئيس،
وارتفاع بعض الأصوات المطالبة بتقدم نائب المرشد خيرت الشاطر للسباق باعتباره
قيادة قادرة علي ضبط الدفة وإسقاط أي من المعارضين له من داخل الجماعة وخارجها
سواء المختلفين معها ايدلوجياً أو المفصولين أو المستقلين منها.
الأزمة مشتعبة ولكن من
السهولة رصدها، فالجماعة التي أعلنت في 10 فبراير قبل يوم واحد من تنحي الرئيس
المخلوع مبارك أن لن ترشح أحد من أبنائها ولن تدعمه رئيساً للجمهورية في تلك
المرحلة، وعليها قررت إزالة عضوية القيادي التاريخي بها عبد المنعم أبو الفتوح
بحسب نص قرار مجلس الشوري العام في جلسته العادية في الدورة الرابعة المنعقد في 18
يونيو الماضي لإعلانه الترشح إلى رئاسة الجمهورية بالمخالفة لقرار مجلس الشورى العام
في 10/2/2011م، والمؤكد في جلسة مجلس الشورى 29، 30/4/2011م، وكذلك الخروج على نظم
وقواعد الجماعة.
الأزمة سبقتها أزمات أخري
من خروج لعدد من القيادات التاريخية منها نائب المرشد السابق محمد حبيب، والقيادي
إبراهيم الزعفراني، وعدد من الشباب الذين فصلو لمخالفاتهم قرارات الجماعة بشأن
العمل الثوري، والخروح عن الأطر التنظيمية، وتقاليد السمع والطاعة المعمول بها
داخل الجماعة، ثم إنشاء حزبها الحرية والعدالة والسجالات الداخلية التي أعقبت
تشكيله وعلاقاته بالجماعة، وإمكانية تحقيقه الاستقلال عنها.
حالة الإنهاك التي تعرضت
لها الجماعة علي مدار الشهور التي تلت نجاح الثورة في فبراير 2011 استمرت، خصوصاً وأنها باتت متهمة
دوماً بأنها عاقدة صفقات تارة مع المجلس العسكري، وتارة مع تيارات سياسية أخري،
وأخري مع قوي خارجية، وهو مانفته الجماعة مشيرة إلي أن مواقفها ثابتة، وأن هناك من
يريد إحداث نظرة شعبية سلبية تجاهها، فضلاً عن الأزمات المسيحية مع التيار السلفي
تارة ومع العسكر تارة أخري وهو ماجعلها تحت ضغط وخصوصاً وان الإخوان متخوفون دوما
من إطالة الفترة الانتقالية تحت حكم العسكر مستعيدين ذاكرتهم الأليمة في 54 مع
ضباط "عبد الناصر".
هذا الضغط النخبوي تجاه
الجماعة استمر طوال الوقت وظهر في الاستفتاء علي التعديلات الدستورية في مارس
العام الماضي، وفي دعوات "الدستور أولاً"، وكذلك الصدام الخفي مع المجلس
العسكري ووثيقة السلمي للمبادئ فوق الدستورية، ثم الانتخابات التشريعية بشقيها
التي استنفزت كثير من الطاقات البشرية والمادية للجماعة، ثم معركة الدستور الجديد
والتي يتعامل معها الإخوان بذكاء- إلي حدما- في ظل الاندفاع السلفي نحو دولة
إسلامية "وهابية" يرفضها المصريون.
الضغط الشعبي هو الآخر كان
حاضر بعد انتهاء الاستحقاق التشريعي، خصوصاً وأن الشعب لديه أزمات حقيقية، تتمثل
في انفلات أمني متعمد، ونقص في احتياجاته الأساسية من خبز وبوتاجاز وسولار
وبنزين وأرز ولحوم مع تفشي سلالة جديدة من
الحمي القلاعية، واستمرار حالة البطئ الحكومي في التعامل مع الأزمات، وتحميل
البرلمان ذو الأغلبية الإسلامية والأكثرية الإخوانية استمرار تلك الحالة ولسان رجل
الشارع "أمال إحنا انتخبناكوا ليه؟!"، وسعيها الحثيث لتشكيل حكومة
إئتلافية بقيادة "الشاطر" الاقتصادي.
السلفيون كانوا حاضرين في
الأزمة الإخوانية وخصوصاً منذ لحظة خروجهم من التحالف الإنتخابي الإخواني
"التحالف الديمقراطي من أجل مصر" وباتوا الوصيف السياسي للإخوان بحصدهم
25% من مقاعد مجلسي الشوري والشعب، فضلا عن تواجدهم الشعبي القوي من خلال مرشح رئاسي
"حازم صلاح أبو إسماعيل" واستعدادتهم لخوض الانتخابات المحلية التي يسعي
الإخوان اقتناصها لتحقيق جزء من الرضا الشعبي عنهم وللبدء في مشروعهم النهضوي الذي
يقوم عليه نائب مرشدهم خيرت الشاطر.
هذه الأزمات تجمعت فجأة علي
الإخوان وباتوا أمام الاستحقاق الرئاسي، وفي ظل تلك الأزمات بات المرشح المدعوم من
الإخوان طبقا لشروطها "إسلامي غير فصائلي- تاريخ وطني- غير عسكري- قبول
القواعد الإخوانية به"، ويظهر ذلك في حديث متناثر عن احتمالية تراجع الجماعة
عن قرارها السابق ودعم نائب مرشدها خيرت الشاطر، بل وتظهر الأزمة بشدة في تصريح
أمين الجماعة د.محمود حسين "هناك مَن يحاول أن يلجئ الإخوان للدفع بمرشح للرئاسة
منها، وحاولنا الدفع بأكثر من شخصية عليها توافق إلا أنهم رفضوا، ربما خوفًا من المرحلة
أو هناك ضغوط تمت ممارستها عليهم".
الحديث عن ترشيح الشاطر
نفسه بات مثار جدل داخل الجماعة التي رأت في ذلك خطرا محدقا علي بنية التنظيم الذي
لم يعرف فيه أن تراجع مجلسه شورته أو مكتب إرشاده عن قراره يوماً تحت شعار
"البركة في الشوري"، وباتت الجماعة منقسمة حول رأيين، الأول أنها اللحظة
المناسبة لأن يكون للمشروع الإسلامي الإخواني مكاناً له علي الساحة، وأن الشاطر وإمكانياته
تساعده علي ذلك، والرأي الثاني يري أن "المبادئ لاتتجزأ" وأن قرار
الشوري ملزم ومبني علي رؤية ومعلومات لم تتغير بل أن الأمور تسوء وأن الدفع بمرشح
إخواني سيكون خطرا علي مصر في تلك المرحلة الحساسة، وستواجه الجماعة عندئذ الغرب
والصهاينة والولايات المتحدة ودولاً عربية فضلاً عن الشعب الذي لن يسمح بأن يواجه
حصاراً اقتصادياً بعد سنوات فقر عاناها مع المخلوع.
خيارات الجماعة صعبة بكل
تأكيد فإن دعم أحد من المطروحين علي الساحة خياراً صعباً "سوي أبو
الفتوح" عل الأقل لديه قبولاً شعبياً وإخوانياً، وربما يكون ستاراً يتلقي
الصدمات بينما تعمل حكومة الإخوان وبرلمانها ومجالسها المحلية علي إنجاح المشروع،
وهو خيار الجماعة سترفضه إلا إذا استنسخت أبو الفتوح آخر أو أقنعت القاضي
الغرياني، أو مشابه له، أما ترك الباب "موارباً" سيعطي مساحة أكبر
لتفتيت الأصوات ومن ثم نجاح مرشح "فل" يعيد نظام المخلوع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق