بدا الانزعاج يأخد لدي مساحة أكبر من تفكيري، فتطورات المواقف الحاصلة في الشارع السياسي تدعو إلي ضرورة تقييم المواقف والمؤسسات، ليس تطور موقف المجلس العسكري تجاه المبادئ الحاكمة للدستور هو الداعي لذلك التقييم، ولكنها مجمل الأحداث هي التي تدعو لذلك، ولتكن الصورة أوضح وأنقي.
تحليل نحاول البحث عنه لرصد ذلك التغير "الجذري" من وجهة نظري في موقف المجلس العسكري، والثبات الليبرالي والعلماني، في مقابل القوي السياسية، سواء داخل التحالف الوطني، وخارجه، وأيضا حكومة عصام شرف الثانية.
**
المجلس العسكري كـ"هيئة سياسية" تداخلت مع الثورة لتكن شريكة مع الشعب أمر حاسم وهام، وموقفها الشجاع في لحظة الثورة الحرجة يومي 10، 11 فبراير لاينكره إلا جاحد، ولكن في السياسة والفكر القومي، الولاء يكون للشعب الذي قرر، وليس معني ذلك أن يبقي الشعب "أسير للمعروف"، ولسنا في حاجة للتذكير موقف الجيشين السوري والليبي، فكلاهما خان وطنه، أما جيشنا فوضعه مختلف.
الجيش المصري، لم يقم يوما منذ تاريخه بعملية إبادة لشعبه، قد تخضع بعض وحداته "غير القتالية" للسلطة ولكن إجمالي الشرفاء دائما يكونون هم الأقدر دوماً علي ضبط البوصلة الوطنية.
**
المجلس العسكري للمتابع يجده قد مر علي ثلاث مراحل منذ تقلده السلطة "برضا شعبي" في 12 فبراير الماضي، المرحلة الأولي مرحلة الشريك المستحق، الذي وقف أمام رئيس الدولة ورفض استخدام العنف ضد شعبه، وكان قريبا في تلك المرحلة من جميع القوي الموجودة علي الساحة، وإن كان ميله أكثر إلي الإسلاميين، وكان مصرا علي إجراء الاستفتاء بصيغته التي توافقت عليه لجنة تعديل الدستور بقيادة الفقيه الدستوري "الإسلامي التوجه" طارق البشري، واستمرت تلك المرحلة حتي مايو الماضي، شهدت احتجاجات طائفية واسعة، في إمبابة، وماسبيرو، وصول، وقنا.
**
المرحلة الثانية بدأت مع دعوات بعض القوي الليبرالية والعلمانية إلي ما أسموه "الدستور أولاً" متناسين نتائج استفتاء التعديلات الدستورية، المجلس العسكري هنا بدا مرتبكا، كان رافضا للفكرة في البداية، تتابع الاحتجاجات، في ميدان التحرير، والضغوط الخارجية، والسطوة الإعلامية، والاتهامات المباشرة له جعلته أكثر ارتباكا، في تلك الفترة لم يكن هناك أزمة طائفية كانت في المرحلة السابقة، ولكن مواقف المجلس العسكري تجاه بعض القوي السياسية وتصريحات قادته، والعنف الأمني غير المبرر مع أهالي الشهداء، والتباطؤ في محاكمة الرئيس المخلوع ونظامه دفع بالمجلس العسكري إلي تغيير حكومة شرف الأولي، وحركة محافظين "عسكرية"، والدفع برموز أكثر قبولاً سياسيا، وأكثر قربا من ذلك التيار الليبرالي والعلماني، ورغم ذلك التيار الإسلامي بتنوعاته لم يجد غضاضة في ذلك ولم يعترض، واستمرت تلك المرحلة إلي منتصف يوليو الماضي.
**
المرحلة الثالثة، الضغط كان في تزايد، أبرزه تصريحات اللواء الرويني العنيفة تجاه حركة 6 أبريل، واللواء الفنجري، كلتا الحالتين بالذات دفعتا التيار الليبرالي والعلماني إلي رفع صوتهم أكثر لمواجهة المجلس العسكري، في مقابل صمت إسلامي، سوي من جماعة الإخوان المسلمين تجاه تلك المواقف، المجلس العسكري حزم أمره، وقرر أن ينهي تلك "المضغطة"، بالموافقة علي ما أسماه "مبادئ حاكمة لوضع الدستور الجديد"، نسي المجلس أنه تعهد بأنه "مؤتمنا" علي السلطة حتي تسليمها إلي سلطة مدنية منتخبة، تلك السلطة أقر الاستفتاء الذي أجري في 19 مارس كيفية وطريقة وتوقيت انتقالها، وعندها لم يعد لدي المجلس سلطة علي كل تلك الخطوات بل هو منظم لها.
**
المجلس العسكري، كان ذكيا بعض الشيئ فهو أرفق تصريحاته الأخيرة حول المبادئ بإعلانه عن ضم وثقية الأزهر التي طرحها الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، لسببين الأول أن الجميع بالفعل متفق عليها، وخاصة أن بنودها متفق حولها الإسلاميين خاصة، والآخر أن تقف بجانبه مؤسسة دينية لها ثقلها في الشارع وفي النخبة.
**
الإسلاميون بدوا مرتبكون مما حدث ومن تغير موقف المجلس العسكري تجاههم، الإخوان كانوا أكثر إتزانا من غيرهم، لم "يمضوا علي بياض"، خطواتهم كانت محسوبة، بيانهم الأخير بشأن "المبادئ الحاكمة" حمل تصورا جديدا في فكر الجماعة، ويحمل أيضا غضبا تكشف عنه أولي كلمات البيان " لقد قلنا مرارًا".. موقفهم كان واضحا للغاية لا لبس فيه إذ قالوا "إننا نربأ بالمجلس العسكري أن يساير فريق (المواد الحاكمة) ضد إرادة غالبية الشعب؛ لأن هذا من شأنه أن يستفز جماهير الرافضين لمبدأ المواد الحاكمة والحريصين على حق الشعب وحريته، والراغبين في استقرار الوطن والسير في اتجاه الانتخابات ونقل السلطة للمؤسسات المدنية التي ينتخبها الشعب كي يعود الجيش إلى التفرغ لمهمته المقدسة في حماية الوطن والشعب ضد أي عدوان خارجي".
**
القوي الليبرالية والعلمانية كانت شريكة في تحولات المواقف السياسية، ولكنها مثل الإخوان كانت الأكثر ثباتا في المشهد السياسي، فهي لديها أزمة مع المرجعية الإسلامية، طرقت جميع الأبواب ماعدا الباب الشعب، طرقت باب "العسكري"، وباب "الصوفيون"، وباب "الخارج"، واجهوا "السلفيين"، تحدثوا عن "الدستور أولا"، "ومبادئ فوق دستورية"، وأخيراً "مبادئ حاكمة"، استطاعوت تسويق صورة ذهنية سيئة عن جمعة "29 يوليو" شاركهم فيها أبناء التيار الإسلامي الذين خرجوا مدفوعين بكبت سنين وظلم بعد الثورة ممتد.
تلك القوي الليبرالية والعلمانية سكتت من أيام قليلة، إذ أعجبها تصريح نائب رئيس الحكومة، علي السلمي، وبعده تصريح عضو المجلس العسكري، وتري أن حديثها المؤيد لتك التصريحات قد يعمل علي تهييج الرأي العام الشعبي والإسلامي، "فإذا كان الكلام من فضة فالصمت أصبح ذهب".
**
تفاعل شيخ الأزهر أحمد الطيب مع المجلس العسكري في دمجه وثيقة الأزهر لصياغة المبادئ الحاكمو للدستور قد يكون أمرا طيبا، بل تجاوز ذلك التفاعل ودعا ممثلي القوي السياسية الفاعلة لاجتماع عاجل يوم الأربعاء ، للتشاور حول اعتماد وثيقة الأزهر، لتكون بمثابة صياغة توافقية لوثيقة المبادئ "الحاكمة".
**
الأزمة ليست ليست في مبادئ حاكمة أو فوق دستورية وإن كان الرفض تلك الأشكال "الملتفة" لها واجهتها، ولكن الأخطر تجاوز ما اتفق عليه غالبية الشعب المصري في استفتاء هو الأنزه علي مدار التاريخ المصري، وأن تجاوزه سيؤسس لنظام ديمقراطي مشوه، لن يجدي معه التوافق، وسيكون قاعدة يرتكز عليها الملتفون جميعا.
**
أزمة أخري لابد الإشارة إليها، وهو العنف الذي قد يزيد من عناصر الشرطة العسكرية تجاه المدنيين، الناشطون الذين خرجوا أيام مبارك المخلوع ليقولوا لا، لايتصور أن يذهب مبارك ويبقي "القمع"، لايتصور أن يذهب مبارك وتبقي المحاكمات العسكرية، والقضاء العسكري، ناضلنا من أجل أن نحاكم أمام قاض طبيعي، فلايعقل ان تأتي الثورة ويزيد الأمر.
**
يتحدث عن البعض عن تشبيه لما تذهب الأحداث إلي مشابهة المواقف بما حدث في عام 1954 وبين الآن 2011، وأن الإخوان سيذهبون غلي نفس المصير، أحب أن أوقول لهم "أنسوا"، إخوان السابق لم يعودوا إخوان الآن، محنة الأمس، لن تكون محنة الغد، مجلس اليوم، لم يعد كمجلس ناصر، الأمور والأوضاع مختلفة، موازين القوي، والإعلام، والانتشار بات الأمر صعبا، فضلا عن أن الإخوان لن يسمحوا لأحد مهما كان ان يضر بمصر مجددا، أن يسلب حريتهم مرة أخري، نضال الأمس السلمي لن يوقفه أحد.
**
قارئي العزيز.. لم يعد الأمر سهلا ثورتنا تأخذ المنحني الأخطر في تاريخها.. الساكت عن الحق شيطان وخائن أخرس ومتواطئ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق