
لم تكن الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة لتمر هذه المرة دون وقفة جادة علي معطياتها ونتائجها، وتحليل عميق للأحداث التي سبقتها وللاتهامات التي لحقتها، ودراسة موقف الجهات التي تداخلت مع العملية الانتخابية التي وصفت بأنها الأخطر في تاريخ الحياة السياسية المصرية، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية العام المقبل.
وبحسب عملي الميداني كصحفي، ومتابع لتدفق الأخبار والمعلومات حول العملية الانتخابية منذ بدايتها وحتي إعلان قائمة الناجحين النهائية، كد أتوصل لهيكل عام للصورة التي أفرزتها الانتخابات البرلمانية، محاولا البعد عن الأحكام الأخلاقية حول النزاهة والشفافية التي بالفعل ضربت في مقتل هذه المرة، مقابل تشكيل مجلس جديد يعبر عن صورة سياسية يراد بها الاستمرار لفترة ما لإنجاز مراد سياسي ما.
فمع اقتراب الانتخابات، وبداية منذ كشف الباحث الدكتور عمار علي حسن عن وثيقة تؤكد عقد الحزب الوطني صفقة مع حزب الوفد من شأنها تقاسم مقاعد جماعة الإخوان الـ 88، بحيث يحصل الوفد علي مابين 40 إلي 30 منها، وتوزيع الباقي علي أحزاب هامشية أخري مثل التجمع والسلام والعدالة، والإبقاء علي 20 مقعدا فقط لممثلي الإخوان بحيث يظهر البرلمان في صورة الكتل البرلمانية كما في الدول الغربية، وكي تنشغل بخلافاتها داخل البرلمان دون التركيز علي تجاوزات الحزب الحاكم وحكومته.
وما يؤكد تلك الخطة هو الحديث الرسمي عن ضعف وجود الإخوان في الشارع، وتأكيد أقطاب الحزب الحاكم أن مقاعد الإخوان البرلمانية في 2005 لن تكون بحجم مقاعدهم في 2010، ولكن مع تجاوزات انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشوري والتي شهدت بحسب المراكز الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني وتسجيلات مصورة وقائع تزوير واسعة النطاق حالت دون تمثيل معارض قوي، سوي في صورة نجاح 3 إلي 5 من رموز الأحزاب وسط اتهامات للحكومة بالتزوير لصالح هؤلاء الحزبيين.
ومع انتهاء الانتخابات بسقوط رموز الإخوان- بما أنه كان أمرا متوقعا ولكن ليس بهاذ الشكل الفج بصفتها الكيان المعارض القوي للحكومة وحزبها-، لكن جاء سقوط أعضاء بارزين في الحزب الوطني مثل الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء وأحد منسقي التفاهم بين الحكومة والإخوان، وأحمد شوبير بارزا ويدفع بشكوك عريضة.
ولكن الملفت للنظر في تلك الانتخابات هو الدور الذي لعبته اللجنة العليا للانتخابات، والذي اعتبره المستشار أحمد مكي نائب رئيس محكمة النقض، وعضو المجلس الأعلى للقضاء في تصريحات صحفية، أن تعمد إهدار اللجنة لأحكام القضاء "إهانة لا يمكن أن تغتفر"، فضلا عن سكوتها عن تقارير وقائع التزوير والتسويد، وهو الأمر الذي يدفع بالتساؤل حول جدوي وجود اللجنة مادامت وزارة الداخلية هي المتحكم في كل شئ، في ظل غياب الإشراف القضائي الكامل الذي نجح معه 25% من قوي المعارضة في دخول برلمان 2005.
وجاءت قضية الزميلين عمر خفاجي رئيس تحرير جريدة الشروق، وهشام المياني المحرر بالجيرة بنشرهما تصريحات "جارحة" بحق القاضي وليد الشافعي علي لسان الدكتور مؤمنة كامل نائبة الحزب الوطني الجديدة عن مقعد الكوتة في محافظة 6 أكتوبر، الأمر الذي يعيد الحديث عن حق الصحافة في الحصول علي المعلومات وتدفقها ومن ثم الحق في نشرها "دون المساس بأمن الدولة"، دون الالتفات لمصالح فئات معينة وحتي وإن كانوا قضاه، فهم في النهاية بشر يخطئون ويصيبون، ومنهم من يرتفع بعدله إلي عنان السماء ومنهم من يهوي بغيه.
أما عن تشكيل المجلس الجديد فمع انتهاء الجولة الثانية وصدور أوامر عليا بضرورة إنجاح بعض من مرشحي القوي المعارضة حتي وإن كانوا من ضمن المنسحبين كما في حالة مرشح الإخوان مجدي عاشور، فضلا عن نجاح عدد كبير من المرشحين المستقلين، الأمر الذي قد يدفع بفكر النظام الحاكم علي تشكيل كتلا برلمانية رئيسية تتركز في كتلة الوطني "الأغلبية"، ثم "كتلة التجمع"، ثم كتلة عريضة قوامها من 20 إلي 30 لتمثيل المستقلين، ولن يدفع الحزب كعادته بهؤلاء المستقلين للانضمام إليه بل سيعمل علي إبقائهم علي حالهم والدفع بشخصية قوية لقياداتهم قادرة علي التواصل مع الحزب الحاكم وليس له تطلعات سياسية كبيرة؛ لتكون العصا السحرية في البرلمان ولإعطاء غطاء شرعي لتمرير القوانين والمشروعات دون إظهار الحكومة بمظهر يسئ لها مثلما كانت في البرلمان السابق في ظل نجاح المعارضة وفي مقدمتم الإخوان في إنهاك الحكومة.
أما عن المستقبل فالوضع أصبح ضبابيا أكثر من السابق، وبات التوقع بما هو آت صعب للغاية، ليس لأن هناك خطط سرية يخفيها فصيل عن الآخر أو عن الرأي العام مثلما هو الحال في فضائح "ويكيليكس" بل لأنه ليس هناك خطة واضحة المعالم، وأن السيناريوهات معلقة وأن التنفيذ سيكون طبقا للحالة الحاصلة في وقت الحاجة، وأن مصر "الجديدة" باتت تتحقق بالفعل بغض النظر عن محتوي الجديد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق